من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
القول في أحساس أجناس الحيوان
اللهم إنّا نعوذ بك من الشّيطان الرجيم، ونسألك الهداية إلى صراطك المستقيم، وصلّى الله على سيدنا محمد خاصّة وعلى أنبيائه عامّة. ونعوذ بالله أن تدعونا المحبّة لإتمام هذا الكتاب إلى أن نصل الصّدق بالكذب وندخل الباطل في تضاعيف الحق، وأن نتكثّر بقول الزور ونلتمس تقوية ضعفه باللفظ الحسن، وستر قبحه بالتأليف المونق، أو نستعين على إيضاح الحقّ إلا بالحق، وعلى الإفصاح بالحجّة إلّا بالحجة، ونستميل إلى دراسته واجتبائه، ونستدعي إلى تفضيله والإشادة بذكره، بالأشعار المولّدة، والأحاديث المصنوعة، والأسانيد المدخولة، بما لا شاهد عليه إلّا دعوى قائله، ولا مصدّق له إلّا من لا يوثق بمعرفته. ونعوذ بالله من فتنة القول وخطله، ومن الإسهاب وتقحّم أهله. والاعتماد فيما بيننا وبين كثير من أهل هذا الزمان على حسن الظنّ، والاتّكال فيهم على العذر؛ فإنّ كثيرا ممّن يتكلّف قراءة الكتب، ومدارسة العلم، يقفون من جميع الكتب على الكلمة الضعيفة، واللّفظة السّخيفة، وعلى موضع من التأليف قد عرض له شيء من استكراه، أو ناله بعض اضطراب، أو كما يعرض في الكتب من سقطات الوهم، وفلتات الضّجر، ومن خطأ النّاسخ، وسوء تحفّظ المعارض على معنى لعله لو تدبّره بعقل غير مفسد، ونظر غير مدخول، وتصفّحه وهو محترس من عوارض الحسد، ومن عادة التسرّع، ومن أخلاق من عسى أن يتّسع في القول بمقدار ضيق صدره، ويرسل لسانه إرسال الجاهل بكنه ما يكون منه. ولو جعل بدل شغله بقليل ما يرى من المذموم شغله بكثير ما يرى من المحمود- كان ذلك أشبه بالأدب المرضيّ والخيم الصّالح، وأشدّ مشاكلة للحكمة، وأبعد من سلطان الطّيش، وأقرب إلى عادة السّلف وسيرة الأوّلين، وأجدر أن يهب الله له السّلامة في كتبه، والدّفاع عن حجّته يوم مناضلة خصومه ومقارعة أعدائه.
وليس هذا الكتاب- يرحمك الله- في إيجاب الوعد والوعيد فيعترض عليه
المرجئ، ولا في تفضيل عليّ فينصب له العثمانيّ، ولا هو في تصويب الحكمين، فيتسخّطه الخارجيّ، ولا هو في تقديم الاستطاعة فيعارضه من يخالف التقديم، ولا هو في تثبيت الأعراض فيخالفه صاحب الأجسام، ولا هو في تفضيل البصرة على الكوفة، ومكة على المدينة، والشّام على الجزيرة. ولا في تفضيل العجم على العرب، وعدنان على قحطان، وعمرو على واصل فيردّ بذلك الهذيلي على النّظّامي، ولا هو في تفضيل مالك على أبي حنيفة؛ ولا هو في تفضيل امرئ القيس على النّابغة، وعامر ابن الطفيل على عمرو بن معد يكرب، وعباد بن الحصين على عبيد الله بن الحرّ، ولا في تفضيل ابن سريج على الغريض، ولا في تفضيل سيبويه على الكسائيّ، ولا في تفضيل الجعفريّ على العقيليّ، ولا في تفضيل حلم الأحنف على حلم معاوية، وتفضيل قتادة على الزّهري، فإنّ لكلّ صنف من هذه الأصناف شيعة، ولكلّ رجل من هؤلاء الرجال جند، وعددا يخاصمون عنهم. وسفهاؤهم المتسرعون منهم كثير، وعلماؤهم قليل، وأنصاف علمائهم أقلّ.
ولا تنكر هذا- حفظك الله- أنا رأيت رجلين بالبصرة على باب مويس بن عمران، تنازعا في العنب النّيروزيّ والرازقيّ، فجرى بينهما اللعين حتى تواثبا، فقطع الكوفيّ إصبع البصريّ، وفقأ البصريّ عين الكوفيّ، ثم لم ألبث إلّا يسيرا حتى رأيتهما متصافيين متنادمين لم يقعا قطّ على مقدار ما يغضب من مقدار ما يرضي، فكيف يقعان على مقادير طبقات الغضب والرضا؟! والله المستعان.
وقد ترك هذا الجمهور الأكبر، والسّواد الأعظم، التوقف عند الشبهة، والتثبّت عند الحكومة جانبا، وأضربوا عنه صفحا، فليس إلّا لا أو نعم. إلّا أنّ قولهم «لا» موصول منهم بالغضب، وقولهم «نعم» موصول منهم بالرّضا. وقد عزلت الحرّيّة جانبا، ومات ذكر الحلال والحرام، ورفض ذكر القبيح والحسن.
قال عمرو بن الحارث: «كنّا نبغض من الرّجال ذا الرياء والنّفخ، ونحن اليوم نتمنّاهما».
قد كتبنا من كتاب الحيوان ستّة أجزاء، وهذا الكتاب السابع هو الذي ذكرنا فيه الفيل بما حضرنا من جملة القول في شأنه، وفي جملة أسبابه، والله الموفق.
وإنما اعتمدنا في هذه الكتب على الإخبار عمّا في أجناس الحيوان من الحجج المتظاهرة، وعلى الأدلة المترادفة، وعلى التنبيه على ما جلّلها الله تعالى من البرهانات
التي لا تعرف حقائقها إلا بالفكرة، وغشّاها من العلامات التي لا تنال منافعها إلا بالعبرة، وكيف فرّق فيها من الحكم العجيبة، والأحساس الدقيقة، والصنعة اللطيفة، وما ألهمها من المعرفة وحشاها من الجبن والجرأة، وبصّرها بما يقيتها ويعيشها، وأشعرها من الفطنة لما يحاول منها عدوّها، ليكون ذلك سببا للحذر، ويكون حذرها سببا للحراسة، وحراستها سببا للسلامة، حتى تجاوزت في ذلك مقدار حراسة المجرّب من الناس، والخائف المطلوب من أهل الاستطاعة والرويّة، كالذي يروى من تحارس الغرانيق والكراكي، وأشكال من ذلك كثيرة، حتى صار الناس لا يضربون المثل إلا بها، ولا يذمّون ولا يمدحون إلا بما يجدون في أصناف الوحش من الطّير وغير ذلك، فقالوا: أحذر من عقعق، وأحذر من غراب، وأحذر من عصفور، وأسمع من فرخ العقاب، وأسمع من قراد، وأسمع من فرس، وأجبن من صفرد، وأسخى من لافظة، وأصنع من تنوّط، وأصنع من سرفة، وأصنع من دبر، وأهدى من قطاة، وأهدى من حمام، وأهدى من جمل، وأزهى من غراب، وأزهى من ذباب، وأجرأ من اللّيث، وأكسب من الذّئب، وأخدع من ضبّ، وأروغ من ثعلب، وأعقّ من ضبّ، وأبرّ من هرّة، وأسرع من سمع، وأظلم من حيّة، وأظلم من ورل، وأكذب من فاختة، وأصدق من قطاة، وأموق من رخمة، وأحزم من فرخ العقاب.
ونبّهنا تعالى وعزّ على هذه المناسبة، وعلى هذه المشاركة، وامتحن ما عندنا بتقديمها علينا في بعض الأمور، وتقديمنا عليها في أكثر الأمور وأراد بذلك ألّا يخلينا من حجة، ومن النّظر إلى عبرة، وإلى ما يعود عند الفكرة موعظة. وكما كره لنا من السهو والإغفال، ومن البطالة والإهمال، في كلّ أحوالنا لا تفتح أبصارنا إلا وهي واقعة على ضرب من الدلالة، وعلى شكل من أشكال البرهانات، وجعل ظاهر ما فيها من الآيات داعيا إلى التفكير فيها، وجعل ما استخزنها من أصناف الأعاجيب يعرف بالتكشيف عنها، فمنها ظاهر يدعوك إلى نفسه، ويشير إلى ما فيه، ومنها باطن يزيدك بالأمور ثقة إذا أفضيت إلى حقيقته، لتعلم أنّك مع فضيلة عقلك، وتصرّف استطاعتك إذا ظهر عجزك عن عمل ما هو أعجز منك- أنّ الذي فضّلك عليه بالاستطاعة والمنطق، هو الذي فضّله عليك بضروب أخر، وأنكما ميسّران لما خلقتما له، ومصرّفان لما سخّرتما له، وأن الذي يعجز عن صنعة السّرفة، وعن تدبير العنكبوت في قلتهما ومهانتهما وضعفهما وصغر جرمهما، لا ينبغي أن يتكبّر في الأرض ولا يمشي الخيلاء، ولا يتهكّم في القول، ولا يتألّى ولا يستأمر. وليعلم أنّ
عقله منيحة من ربه، وأن استطاعته عاريّة عنده، وأنه إنما يستبقي النّعمة بإدامة الشّكر، والتعرّض لسلبها بإضاعة الشكر.
ثم حبّب إليها طلب الذّرء والسّفاد الذي يكون مجلبة للذرء، وحبّب إليها أولادها ونجلها وذرءها ونسلها، حتى قالوا: أكرم الإبل أشدّها حنينا، وأكرم الصّفايا أشدّها حبّا لأولادها. وزاوج بين أكثرها وجعل تألّفها مع بعضها من الطّروقة إذا لم يكن الزّواج لها خلقا، وجعل إلف العرس لها عادة، وقوّاها على المسافدة، لتتمّ النعمة، وتعظم المنة، وألهمها المبالغة في التربية، وحسن التعبّد، وشدّة التفقّد، وسوّى في ذلك بين الجنس الذي يلقّم أولاده تلقيما، وبين الذي يرضعها إرضاعا، وبين الذي يزقّها زقّا، وبين ما يحضن وما لا يحضن. ومنها ما أخرجها من أرحام البيض وأرحام البطون كاسية، ومها ما أخرجها كاسية كاسبة، وأمتعها وألذّها، وجعلها نعمة على عباده، وامتحانا لشكرهم، وزيادة في معرفتهم، وجلاء لما يتراكم من الجهل على قلوبهم. فليس لهذا الكتاب ضدّ من جميع من يشهد الشهادة، ويصلّي إلى القبلة، ويأكل الذّبيحة ولا ضدّ من جميع الملحدين ممّن لا يقرّ بالبعث، وينتحل الشرائع وإن ألحد في ذلك وزاد ونقص، إلا الدّهري، فإن الذي ينفي الربوبيّة، ويحيل الأمر والنّهي، وينكر جواز الرّسالة، ويجعل الطّينة قديمة، ويجحد الثواب والعقاب، ولا يعرف الحلال والحرام، ولا يقرّ بأن في جميع العالم برهانا يدلّ على صانع ومصنوع، وخالق ومخلوق، ويجعل الفلك الذي لا يعرف نفسه من غيره، ولا يفصل بين الحديث والقديم، وبين المحسن والمسيء، ولا يستطيع الزيادة في حركته، ولا النّقصان من دورانه، ولا معاقبة للسّكون بالحركة، ولا الوقوف طرفة عين، ولا الانحراف عن الجهة- هو الذي يكون به جميع الإبرام والنّقض، ودقيق الأمور وجليلها، وهذه الحكم العجيبة، والتدابير المتقنة، والتأليف البديع، والتّركيب الحكيم، على حساب معلوم، ونسق معروف، على غاية من دقائق الحكمة وإحكام الصّنعة.
ولا ينبغي لهذا الدهريّ أيضا أن يعرض لكتابنا هذا وإن دلّ على خلاف مذهبه، ودعا إلى خلاف اعتقاده، لأن الدّهريّ ليس يرى أنّ في الأرض دينا أو نحلة أو شريعة أو ملة، ولا يرى للحلال حرمة ولا يعرفه ولا للحرام نهاية ولا يعرفه، ولا يتوقّع العقاب على الإساءة، ولا يترجّى الثواب على الإحسان. وإنما الصواب عنده والحقّ في حكمه،
أنه والبهيمة سيّان، وأنه والسّبع سيّان، ليس القبيح عنده إلّا ما خالف هواه وليس الحسن عنده إلّا ما وافق هواه، وأن مدار الأمر على الإخفاق والدّرك، وعلى اللذّة والألم، وإنما الصواب فيما نال من المنفعة، وإن قتل ألف إنسان صالح لمنالة درهم رديء. فهذا الدهريّ لا يخاف إن ترك الطّعن على جميع الكتب عقابا ولا لائمة، ولا عذابا دائما ولا منقطعا ولا يرجو إن ذمّها ونصب لها ثوابا في عاجل ولا آجل.
فالواجب أن يسلم هذا الكتاب على جميع البريّة، إذا كان موضعه على هذه الصّفة، ومجراه إلى هذه الغاية. والله تعالى الكافي الموفّق بلطفه وتأييده، إنه سميع قريب، فعال لما يريد.
ثم رجع بنا القول إلى الإخبار عن الحيوان، بأيّ شيء تفاضلت وبأيّ شيء خصّت، وبماذا أبينت. وقد عرفنا ما أعطيت في الشّمّ والاسترواح. قال الرّاجز وذكر الذئب:
يستخبر الرّيح إذا لم يسمعبمثل مقراع الصّفا الموقّع
وقد عرفنا كيف شمّ السّنانير والسّباع والذئاب. وأعجب من ذلك وجدان الذّرّة لرائحة شيء لو وضعته على أنفك لما وجدت له رائحة، كرجل جرادة يابسة منبوذة، كيف تجد رائحتها من جوف جحرها حتى تخرج إليها، فإذا تكلّفت حملها فأعجزتها كيف تستدعي إليها سائر الذّرّ، وتستعين بكلّ ما كان منها في الجحر.
ونحو شمّ الفرس رائحة الحجر من مسيرة ميل. والفرس يسير قدما والحجر خلفه بذلك المقدار، من غير تلفّت ولا معاينة من جهة من الجهات. وهذا كثير، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.
فأمّا السّمع فدعنا من قولهم: «أسمع من فرس»،: «أسمع من فرخ
العقاب» وأسمع من كذا، وأسمع من كذا. ولكنّا نقصد إلى الصّغير الحقير في اسمه وخطره؛ والقليل في جسمه وفي قدره.
وتقول العرب: «أسمع من قراد»، ويستدلون بالقردان التي تكون حول الماء والبئر. فإذا كان ليلة ورود القرب، وقد بعث القوم من يصلح لإبلهم الأرشية وأداة السقي، وباتت الرجال عند الماء تنتظر مجيء الإبل، فإنها تعرف قربها منهم في جوف الليل بانتفاش القردان وسرعة حركتها وخشخشتها، ومرورها نحو الرعاء، وزجر الرعاء، ووقع الأخفاف على الأرض، من غير أن يحسّ أولئك الرجال حسّا أو يشعروا بشيء من أمرها. فإذا استدلوا بذلك من القردان نهضوا فتلبّبوا واتزروا وتهيؤوا للعمل.
فأمّا إدراك البصر فقد قالوا: «أبصر من غراب» و: «أبصر من فرس»؛ و:
«أبصر من هدهد» و: «أبصر من عقاب».
والسّنانير والفأر والجرذان والسّباع تبصر بالليل كما تبصر بالنهار؛ فأمّا الطّعم فيظّن أنها بفرط الشّره والشّهوة وبفرط الاستمراء وبفرط الحرص والنّهم، أن لذتها تكون على قدر شرهها وشهوتها، تكون على قدر ما ترى من حركتها، وظاهر حرصها.
ونحن قد نرى الحمار إذا عاين الأتان، والفرس إذا عاين الحجر والرمكة، والبغل والبغلة، والتيس والعنز فنظن أن اللذة على قدر الشهوة، والشهوة على قدر الحركة، وأن الصّياح على قدر غلبة الإرادة.
ونجد الرجال إذا اعتراهم ذلك لا يكونون كذلك إلّا في الوقت الذي هم فيه أشدّ غلمة وأفرط شهوة.
فإن قال قائل: إن الإنسان يغشى النّساء في كلّ حال من الفصلين والصّميمين، وإنما هيج السّباع والبهائم في أيام من السنة ثم يسكن هيج التّيس والجمل. فالإنسان المداوم أحسن حالا.
قلنا: إنّا لم نكن في ذكر المخايرة بين نصيب الإنسان في ذلك مجموعا ومفرّقا، وبين نصيب كلّ جنس من هذه الأجناس مجموعا ومفرّقا، وإنما ذكرنا نفس المخالطة فقط. وما يدريكم أيضا لعلها أن تستوفي في هذه الأيّام اليسيرة أضعاف ما يأتي الإنسان في تلك الأيّام الكثيرة.
وعلى أنّا قد نرى ممّا يعتري الحمار والفرس والبغل وضروبا كثيرة إذا عاينوا الإناث في غير أيام الهيج. وها هنا أصناف تديم ذلك كما يديمه الإنسان، مثل الحمام والدّيكة وغير ذلك.
وقد علمنا أنّ السّنانير وأشباه السنانير لها وقت هيج، ولكنّ ذلك يكون مرارا في السّنة على أشدّ من هيج الإنسان، فليس الأمر على ما يظنّون.
فإن كان الإنسان موضع ذهنه من قلبه أو دماغه يكون أدقّ وأرقّ وأنفذ، وأبصر، فإنّ حواسّ هذه الأشكال أدقّ وأرقّ وأبصر وأنفذ. وإن كان الإنسان يبلغ بالرويّة والتصفّح، والتحصيل والتمثيل ما لا يبلغه شيء من السّباع والبهائم، فإنّ لها أمورا تدركها، وصنعة تحذقها تبلغ منها بالطبائع سهوا وهويّا ما لا يبلغ الإنسان في ما هو بسبيله إلا أن يكره نفسه على التفكير، وعلى إدامة التنقير والتكشيف والمقاييس فهو يستثقله.
ولكلّ شيء ضرب من الفضيلة وشكل من الأمور المحمودة، لينفي تعالى وعز عن الإنسان العجب، ويقبّح عنده البطر، ويعرّفه أقدار القسم.
وسنذكر من فطن البهائم وأحساس الوحش وضروب الطير أمورا تعرفون بها كثرة ما أودعها الله تعالى من المعارف، وسخّر لها من الصنعة، ثم لا نذكر من ذلك في هذا الموضع إلّا كلّ طائر منسوب إلى الموق، وإلّا كلّ بهيمة معروفة بالغثاثة، بعدّة ما فيه أشكالها من المعرفة والفطنة. ولو أردنا الأجناس المعروفة بالمعارف
الكثيرة، والأحساس اللّطيفة، لذكرنا الفيل والبعير، والذّرة والنملة، والذئب، والثعلب، والغرنوق، والنحلة، والعنكبوت، والحمام، والكلب.
وسنذكر على اسم الله تعالى بعض ما في البهائم والسّباع والطير من المعرفة، ثم نخصّ في هذا الكتاب المنسوبات إلى الموق، والمعروفات بالغباوة وقلة المعرفة، كالرّخمة والزنبور، والرّبع من أولاد الإبل، والنّسر من عظام الطير.
وقال المفضّل الضبيّ: قلت لمحمد بن سهل راوية الكميت: ما معنى قول الكميت في الرّخمة:
ذات اسمين والألوان شتّىتحمّق وهي كيّسة الحويل»
لها خبّ تلوذ به وليستبضائعة الجنين ولا مذول
قال: كأنّ معناه عندي حفظ فراخها، أو موضع بيضها، وطلب طعمها، واختيارها من المساكن ما لا يطوره سبع طائر ولا ذو أربع. قال: فقلت: فأيّ كيس عند الرّخمة إلّا ما ذكرت، ونحن لا نعرف طائرا ألأم لؤما ولا أقذر طعمة، ولا أظهر موقا منها، حتى صارت في ذلك مثلا؟! فقال محمد بن سهل: «وما حمقها وهي تحضن بيضها، وتحمي فراخها، وتحبّ ولدها، ولا تمكّن إلّا زوجها، وتقطع في أوّل القواطع وترجع في أوّل الرواجع، [ولا تطير في التحسير، ولا تغترّ بالشكير، ولا تربّ بالوكور ولا تسقط على الجفير».
أمّا قوله: «تقطع في أول القواطع وترجع في أوّل الرواجع»] فإنّ الرّماة وأصحاب الحبائل والقنّاص إنما يطلبون الطير بعد أن يعلموا أنّ القواطع قد قطعت، فبقطع الرّخمة يستدلّون. فلا بدّ للرّخمة من أن تنجو سالمة إذا كانت أوّل طالع عليهم.
وأمّا قوله: «ولا تربّ بالوكور» فإنّه يقول: الوكر لا يكون إلا في عرض الجبل، وهي لا ترضى إلا بأعالي الهضاب، ثم مواضع الصّدوع وخلال الصخور، وحيث يمتنع على جميع الخلق المصير إلى فراخها. ولذلك قال الكميت:
ولا تجعلوني في رجائي ودّكمكراج على بيض الأنوق احتبالها
والأنوق هي الرّخمة. وقال ابن نوفل:
وأنت كساقط بين الحشايايصير إلى الخبيث من المصير
ومثل نعامة تدعى بعيراتعاظمها إذا ما قيل طيري
وإن قيل احملي قالت فإنّيمن الطّير المربّة في الوكور
وأما قوله: « [ولا تطير في التّحسير]، ولا تغترّ بالشّكير» فإنها تدع الطيران أيام التحسير، فإذا نبت الشّكير- وهو أول ما ينبت من الريش- فإنها لا تنهض حتى يصير الشكير قصبا. وأمّا قوله: «ولا تسقط على الجفير»، فإنما يعني جعبة السّهام، يقول: إذا رأته علمت أنّ هناك سهما، فهي لا تسقط في موضع تخاف فيه وقع السّهام.
والرّخم والنّسور والعقبان تتبع الجيوش لتوقع القتال وما يكون لها من الجيف، وتتبع أيضا الجيوش والحجّاج لما يسقط من كسير الدّواب، وتتبعها أيضا في الأزمنة التي تكون فيها الأنعام والحجور حوامل، لما تؤمّل من الإجهاض والإخداج.
قال النابغة:
وثقت له بالنّصر إذ قيل قد غدتكتائب من غسّان غير أشائب
بنو عمّه دنيا وعمرو بن عامرأولئك قوم بأسهم غير كاذب
إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهمعصائب طير تهتدي بعصائب
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيلهإذا ما التقى الجمعان أوّل غالب
تراهنّ خلف القوم خزرا عيونهاجلوس شيوخ في مسوك الأرانب
فأخذ هذا المعنى حميد بن ثور الهلالي فقال:
إذا ما غزا يوما رأيت عصابةمن الطّير ينظرن الذي هو صانع
وقال آخر:
يكسو السيوف نفوس النّاكثين بهويجعل الرّوس تيجان القنا الذبل
قد عوّد الطّير عادات وثقن بهافهنّ يتبعنه في كلّ مرتحل
فقال الكميت كما ترى:
تحمّق وهي كيّسة الحويل
فزعم أن النّاس يحمقونها وهي كيّسة.
وقال بعض أصحابنا: قيل لأعرابيّ: أتحسن أن تأكل الرّأس؟ قال: نعم.
قيل: وكيف تصنع به؟ قال: «أبخص عينيه، وأسحى خدّيه، وأعفص أذنيه، وأفكّ لحييه، وأرمي بالمخّ إلى من هو أحوج منّي إليه». قيل له: إنك لأحمق من ربع. قال: «وما حمق الرّبع؟! والله إنه ليجتنب العداوء ويتبع أمّه في المرعى، ويراوح بين الأطباء، ويعلم أن حنينها رغاء، فأين حمقه».
وحدث ابن الأعرابيّ عن هشام بن سالم، وكان هشام من رهط ذي الرّمّة،
قال: أكلت حيّة بيض مكّاء فجعل المكّاء يشرشر على رأسها ويدنو منها، حتى إذا فتحت فاها تريده وهمّت به ألقى فيه حسكة، فلم يزل يلقي فيه حسكة بعد حسكة، فأخذت بحلقها حتى ماتت.
وأنشد ابن الأعرابيّ عند هذا الحديث قول الشاعر:
كأنّ لكلّ عند كلّ سخيمةيريد بتخريق الأديم استلالها
وأنشد أبو عمرو الشيباني بيت شعر، وهو هذا المعنى بعينه، وهو قول الأسديّ الدّبيريّ:
إن كنت أبصرتني فذّا ومصطلمافربّما قتل المكّاء ثعبانا
يقول: قد يظفر القليل بالكثير. والقليل الأعوان بالكثير الأعوان؛ والمكّاء من أصغر الطير وأضعفه، وقد احتال للثّعبان حتّى قتله.
وقال جالينوس في الإخبار عن معارف البهائم والطير، وفي التعجّب من ذلك وتعجب الناس منه: قولوا لي: من علّم النسر الأنثى إذا خافت على بيضها وفراخها الخفافيش أن تفرش ذلك الوكر بورق الدّلب حتى لا تقربه الخفافيش. وهذا أعجب، والأطباء والعلماء لا يتدافعونه، والنّسور هي المنسوبة إلى قلّة المعرفة والكيس والفطنة.
وقال ابن الأعرابيّ وأبو الحسن المدائني: قال رجل من الأعراب: «كان سنان بن أبي حارثة أحزم من فرخ العقاب». وذلك أنّ جوارح الطير تتخذ أو كارها في عرض الجبال، فربّما كان الجبل عمودا، فلو تحرّك الفرخ إذا طلب الطعم وقد أقبل إليه أبواه أو أحدهما وزاد في حركته شيئا من موضع مجثمه لهوى من رأس الجبل إلى الحضيض، وهو يعرف مع صغره وضعفه وقلّة تجربته، أنّ الصواب في ترك الحركة.
ولو وضع في أوكار الوحشيّات فرخ من فراخ الأهليّات لتهافتن تهافتا كفراخ القطا والحجل والقبج والدّرّاج والدّجاج؛ لأنّ هذه تدرج على البسيط، وذلك لها عادة، وفراخ الوحشيّة لا تجاوز الأوكار؛ لأنها تعرف وتعلم أنّ الهلكة في المجاوزة.
وأولاد الملّاحين الذين ولدوا في السفن الكبار، والمنشآت العظام لا يخاف الآباء والأمّهات عليهم إذا درجوا ومشوا أن يقعوا في الماء. ولو أن أولاد سكان القصور والدّور صاروا مكان أولاد أرباب السفن لتهافتوا. ولكلّ شيء قدر، وله موضع وزمان وجهة وعادة.
فإذا استوى قصب ريش فرخ العقاب، وأحسّ بالقوة طار.
وأبوا فرخ الخطّاف يعلّمانه الطيران تعليما.
وزعم ناس من أطبّاء النصارى وهم أعداء اليهود، أن اليهود يختنون أولادهم في اليوم الثّامن، وأن ذلك يقع، ويوافق أن يكون في الصّميمين، كما يوافق الفصلين، وأنّهم لم يروا قطّ يهوديّا أصابه مكروه من قبل الختان، وأنهم قد رأوا من أولاد المسلمين والنصارى ما لا يحصى ممّن لقي المكروه في ختانه إذا كان ذلك في الصّميمين من ريح الحمرة، ومن قطع طرف الكمرة، ومن أن تكون الموسى حديثة العهد بالإحداد وسقي الماء، فتشيط عند ذلك الكمرة ويعتريها برص.
والصبيّ ابن ثمانية أيام أعسر ختانا من الغلام الذي قد شبّ وشدن وقوي؛ إلّا أنّ ذلك البرص لا يتفشى ولا يعدو مكانه، وهو في ذلك كنحو البرص الذي يكون من الكيّ وإحراق النار، فإنهما يفحشان ولا يتسعان.
ويختن من أولاد السّفلة والفقراء الجماعة الكثيرة فيؤمن عليهم خطأ الخاتن، وذلك غير مأمون على أولاد الملوك وأشباه الملوك، لفرط الاجتهاد، وشدّة الاحتياط،
ومع ذلك يزمع، ومع الزّمع والرّعدة يقع الخطأ، وعلى قدر رعدة اليد ينال القلب من الاضطراب على حسب ذلك.
وليس من التدبير أن يحضر الصبيّ والخاتن إلّا سفلة الخدم، ولا يحضره من يهاب.
وهذا الختان في العرب في النّساء والرجال من لدن إبراهيم وهاجر إلى يومنا هذا. ثم لم يولد صبيّ مختون قط؛ أو في صورة مختون.
وناس يزعمون أن النبي ﷺ وعيسى بن مريم ولدا مختونين. والسّبيل في مثل هذا الرّجوع إلى الرواية الصحيحة، والأثر القائم.
قال»
: والبظراء تجد من اللذة ما لا تجده المختونة، فإن كانت مستأصلة مستوعبة كان على قدر ذلك. وأصل ختان النساء لم يحاول به الحسن دون التماس نقصان الشهوة، فيكون العفاف عليهنّ مقصورا.
قال: ولذلك قال النبي ﷺ للخاتنة: «يا أم عطيّة أشميّه ولا تنهكيه، فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند البعل». كأنه أراد ﷺ أن ينقص من شهوتها بقدر ما يردّها إلى الاعتدال؛ فإن شهوتها إذا قلّت ذهب التمتّع، ونقص حبّ الأزواج، وحبّ الزّوج قيد دون الفجور. والمرأة لا تكون في حال من حالات الجماع أشدّ شهوة منها للكوم الذي لقحت منه.
وقد كان رجل من كبار الأشراف عندنا يقول للخاتنة: لا تقرضي إلّا ما يظهر فقط.
وزعم جناب بن الخشخاش القاضي، أنه أحصى في قرية واحدة النساء المختونات والمعبرات، فوجد أكثر العفائف مستوعبات وأكثر الفواجر معبرات.
وأن نساء الهند والروم وفارس إنما صار الزنا وطلب الرّجال فيهنّ أعم، لأنّ شهوتهنّ للرجال أكثر، ولذلك اتخذ الهند دورا للزّواني، قالوا: وليس لذلك علّة إلّا وفارة البظر والقلفة.
والهند توافق العرب في كلّ شيء إلّا في ختان النّساء والرجال. ودعاهم إلى ذلك تعمّقهم في توفير حظ الباه. قالوا: ولذلك اتخذوا الأدوية، وكتبوا في صناعة الباه كتبا ودرسوها الأولاد.
قالوا: ومن أكبر ما يدعو النساء إلى السحق أنهنّ إذا ألصقن موضع محزّ الختان وجدن هناك لذّة عجيبة، وكلما كان ذلك منها أوفر كان السّحق ألذّ. قال: ولذلك صار حذّاق الرّجال يضعون أطراف الكمر ويعتمدون بها على محزّ الختان، لأنّ هناك مجتمع الشهوة.
ومن هذا الباب الذي ذكرنا فيه صدق أحساس الحيوان؛ ثم اللاتي يضاف منها إلى الموق وينسب إلى الغثارة. قال داود النبي ﵇ في الزبور: «شوقي إلى المسيح مثل الأيّل إذا أكل الحيّات».
والأيّل إذا أكل الحيّات فاعتراه العطش الشديد تراه كيف يدور حول الماء ويحجزه من الشرب منه علمه بأنّ ذلك عطبه، لأن السموم حينئذ تجري مع هذا
الماء، وتدخل مداخل لم يكن ليبلغها الطّعام بنفسه. وليس علم الأيّل بهذا كان عن تجربة متقدمة، بل هذا يوجد في أوّل ما يأكل الحيّات وفي آخره.
وربما اصطيد الأيّل فيجد القنّاص رؤوس الأفاعي وسائر الحيات ناشبة الأسنان في عنقه وجلد وجهه، لأنه يريد أكلها فرّبما بدرته الأفعى والأسود وغيرهما من الحيات فتعضّه، وهو يأكلها ويأكل ما ينال منها ويفوته ما تعلق به منها بالعضّ، فتبقى الرّؤوس مع الأعناق معلّقة عليه إلى أن تنقطع.
قالوا: وليس شيء من ذوات القرون ينصل قرنه في كلّ عام إلا الوعل، فإذا علم أنّه غير ذي قرن، وأنه عديم السلاح، لم يظهر من مخافة السباع. فإذا طال مكثه في موضعه سمن، فإذا سمن علم أن حركته تفقد وتبطئ، فزاد ذلك في استخفائه وقلّة تعرّضه، واحتال بألّا يكون أبدا على علاوة الريح، فإذا نجم قرنه لم يجد بدّا من أن يمظّعه ويعرّضه للشمس والريح، حتى إذا أيقن أنه قد اشتد أكثر المجيء والذهاب التماسا أن يذهب شحمه، ويشتد لحمه، وعند ذلك يحتال في البعد من السّباع، حتى إذا أمكنه استعمال قرنيه في النزال والاعتماد عليهما، والوثوب من جهتهما، رجع إلى حاله من مراعيه وعاداته. ولذلك قال عصام بن زفر:
ترجو الثّواب من صبيح يا حملقد مصّه الدهر فما فيه بلل
إن صبيحا ظاعن فمحتملفلائذ منك بشعب من جبل
كما يلوذ من أعاديه الوعل
فضرب به المثل كما ترى في الاحتيال والهرب من أعدائه: وقال الراجز:
لما رأيت البرق قد تبسّماوأخرج القطر القروع الأعصما
قال ابن الأعرابيّ: إنما سمّوا الوعل القروع لأنه يقرع عجب ذنبه من الناحيتين جميعا.
وقال ابن الكلبي: قال الشرقي بن القطامي ذات يوم: أرأيتم لو فكّر رجل منكم عمره الأطول في أن يتعرّف الشيء الذي تتّخذ الزنابير بيوتها المخرّقة بمثل المجاوب، المستوية في الأقدار، المتحاجزة بالحيطان، السخيفة في المنظر، الخفيفة في المحمل، المستديرة المضمر بعضها ببعض، المتقاربة الأجزاء. وهي البيوت التي تعلم أنها بنيت من جوهر واحد وكأنها من ورق أطباق صغار الكاغذ المزرّرة. قولوا لي: كيف جمعته؟ ومن أي شيء أخذته، وهو لا يشبه البناء ولا النّسج ولا الخياطة.
ولم يفسر ابن الكلبيّ والشرقيّ في ذلك شيئا، فلم يصر في أيدينا منهما إلا التعجّب والتعجيب. فسألت بعد ذلك مشايخ الأكرة فزعموا أنها تلتقطه من زبد المدود. فلا يدرى أمن نفس الزّبد تأخذ، أم من شيء يكون في الزّبد.
والذي عرّف الزنابير مواضع تلك الأجزاء، ودلها على ذلك الجوهر هو الذي علّم العنكبوت ذلك النسج. وقد قال الشاعر:
كأنّ قفا هارون إذ يعتلونهقفا عنكبوت سلّ من دبرها غزل
وقد قال بلا علم.
وأما دودة القزّ فلا نشك أنها تخرجه من جوفها.
وتزعم الأطباء أنهم استفادوا معرفة الحقنة من قبل الطائر الذي إذا أصابه الحصر أتى البحر فأخذ بمنقاره من الماء المالح، ثم استدخله فمجّه في جوفه، وأمكنه ذلك بطول العنق والمنقار، فإذا فعل ذلك، ذرق فاستراح.
والقنفذ وابن عرس إذا ناهشا الأفاعي والحيّات الكبار تعالجا بأكل الصّعتر البرّيّ.
والعقاب إذا اشتكت كبدها من رفعها الأرنب والثعلب في الهواء وحطّها لهما مرارا فإنها لا تأكل إلّا من الأكباد حتى تبرأ من وجع كبدها.
قال: وسألت القنّاص: ما رغبة الثعلب في أكل القنفذ وإن كان حشو إهابه شحما سمينا، وفي ظاهر جلده شوك صلاب حداد متقارب كتقارب الشعر في الجسد؟ فزعموا أنّ الثعلب إذا أصابه قلبه لظهره ثم بال على بطنه فيما بين مغرز عجبه إلى فكّيه، فإذا أصابه ذلك البول اعتراه الأسن فأسبط وتمدّد، فينقر عن بطنه، فمن تلك الجهة يأكل جميع بدنه ومسلوخه الذي يشتمل عليه جلده.
وقالوا: وبشبيه بهذه العلّة يصيد الظّربان الضبّ في جوف جحره حتى يغتصبه نفسه؛ وذلك أنه يعلم أنّه أنتن خلق الله قسوة، فإذا دخل عليه جحره سدّ خصاصه وفروجه ببدنه، وهو في ذلك مستدبر له، فلا يفسو عليه ثلاث فسوات حتى يعطي بيده فيأكله كيف شاء.
قالوا: وربّما فسا وهو بقرب الهجمة وهي باركة فتتفرّق في الصحراء فلا يجمعها راعيها إلّا بجهد شديد، ولذلك قال الشاعر:
لا تمنحوا صقرا، فما لمنيحةأتت آل صقر من ثواب ولا شكر
فما ظربان يؤبس الضبّ فسوهبألأم لؤما قد علمناه من صقر
ولذلك قال الراجز، وهو يذكر تكسّب الظربان بفسوه لطعمه وقوته، كما يتكسّب الناس بالصّناعات والتّجارات، فقال:
باتا يحكّان عراصيف القتبمستمسكين بالبطان والحقب
كما يحكّ القين أطراف الخشبوابن يزيد حرب من الحرب
لا ينفع الصاحب إلّا أن يسبّكالظّربان بالفساء يكتسب
قال ابن الأعرابيّ: قلت لشيخ من قريش: من علّمك هذا، وإنما يحسن من هذا أصحاب التجارات والتكسّب، وأنت رجل مكفيّ مودّع ؟ قال: علّمني الذي علم الحمامة على بلهها تقليب بيضها كي تعطي الوجهين جميعا نصيبهما من الحضن، ولخوف طباع الأرض إذا دام على الشّقّ الواحد.
والحمام أبله؛ ولذلك كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: «كونوا بلها كالحمام». ألا ترى أنّ الحمام في الوجه الذي ألهمه الله مصالح ما يعيشه، ويصلح به شأن ذرئه ونسله- ليس بدون الإنسان في ذرئه ونسله، مع ما خوّل من المنطق، وألهم من العقل، وأعطي من التّصريف في الوجوه؟!.
وإذا جمع بعض أهل العبث وبعض أهل التّجربة بين العقرب وبين الفأرة في إناء زجاج، فليس عند الفأرة حيلة أبلغ من قرض إبرة العقرب فإمّا أن تموت من ساعتها، وإمّا أن تتعجل السّلامة منها، ثم تقتلها كيف شاءت، وتأكلها كيف أحبّت.
قال: ومن علّم الذّرّة أن تفلق الحبّة فتأكل موضع القطمير لئلّا تنبت فتفسد. فإذا كانت الحبّة من حبّ الكزبرة ففلقتها أنصافا لم ترض حتى تفلقها أرباعا؛ لأن الكزبرة من بين جميع الحبّ تنبت وإن كانت أنصافا. وهذا علم غامض
إذا عرفه الشّيخ الفلّاح المجرّب، والفاشكار الرئيس والأكّار الحاذق، فقد بلغوا النهاية في الرّياسة.
وقال جالينوس: ومن علّم الدبّ الأنثى إذا وضعت ولدها أن ترفعه في الهواء أياما تهرب به من الذّرّ والنمل، لأنها تضعه كفدرة من لحم، غير متميّز الجوارح، فهي تخاف عليه الذّرّ، وذلك له حتف. فلا تزال رافعة له وراصدة، ومتفقّدة ومحوّلة له من موضع إلى موضع، حتى يشتد وتنفرج أعضاؤه.
وقال بشّار الأعمى:
أما الحياة فكلّ النّاس يحفظهاوفي المعيشة أبلاء مناكير
وكلّ قسم فللعقبان أكثرهوالحظّ شيء عليه الدهر مقصور
وقال بشر أخو بشّار- وكانوا ثلاثة [لأمّ]، واحد حنفيّ، وواحد سدوسيّ، وبشّار عقيليّ، وإنما نزل في بني سدوس لسبب أخيه- وقد كان قيل لأخيه: لو خيّرك الله أن تكون شيئا من الحيوان أيّ شيء كنت تتمنى أن تكون؟ قال: عقاب.
قيل: ولم تمنّيت ذلك؟ قال: لأنّها تبيت حيث لا ينالها سبع ذو أربع، وتحيد عنها سباع الطّير.
وهي لا تعاني الصيّد إلّا في الفرط، ولكنّها تسلب كلّ صيود صيده. وإذا جامع صاحب الصقر وصاحب الشّاهين وصاحب البازي صاحب العقاب، لم يرسلوا أطيارهم خوفا من العقاب. وهي طويلة العمر، عاقّة بولدها. وهي لا تحمل على نفسها في الكسب، وهي إن شاءت كانت فوق كلّ شيء، وإن شاءت كانت بقرب كلّ شيء، وتتغدّى بالعراق وتتعشّى باليمن. وريشها الذي عليها هو فروها في الشتاء، وخيشها في الصّيف. وهي أبصر خلق الله.
هذا قول صاحب المنطق في عقوق العقاب وجفائها بأولادها، فأمّا أشعار العرب فهي تدلّ على خلاف ذلك، قال دريد بن الصّمّة»
وكلّ لجوج في العنان كأنّهاإذا اغتمست في الماء فتخاء كاسر
لها ناهض في الوكر قد مهدت لهكما مهدت للبعل حسناء عاقر
والحيوان المحمّق الرّخمة والحبارى. قال عثمان بن عفّان ﵁:
«كلّ شيء يحبّ ولده حتّى الحبارى».
وأنثى الذئاب، وهي التي تسمّى جهيزة، والضبع، والنّعجة، والعنز، هذه من الموصوفات بالموق جدّا.
قال: ومن الحيوان ما ليس عنده إلا الجمال والحسن كالطاوس؛ وهو من الطير المحمّق، وكذلك التّدرج مع جماله وحسنه وعجيب وشيه، والزرافة، وهي أيضا موصوفة بالموق، وليس عندها إلا طرافة الصّورة وغرابة النّتاج. وهي من الخلق العجيب مواضع الأعضاء، ويتنازعها أشباه كثيرة.
والفيل عجيب ظريف، ولكنه قبيح مسيخ، وهو في ذلك بهيّ نبيل، والعين لا تكرهه. والخنزير قبيح مسيخ، والعين تكرهه. والقرد قبيح مليح.
وعند الببغاء والمكّاء والعندليب وابن تمرة مع صغر أجرامها ولطافة شخوصها، وضعف أسرها، من المعرفة والكيس والفطنة والخبث ما ليس عند الزّرافة والطاووس والببغاء عجيب الأمر. ويقولون: عندليب وعندبيل، وهو من أصغر الطير.
فأما الأجناس المائية من أصناف السّمك، والأجناس التي تعايش السّمك، فإنّ جماعتها موصوفة بالجهل والموق وقلّة المعرفة، وليس فيها خلق مذكور، ولا خصلة من خصال الفطن، إلا كنحو ما يروى من صيد الجرّيّ للجرذان، وحمل تلك الدابة للغرقى حتى تؤدّيهم إلى الساحل.
والسمكة شديدة البدن، وكذلك الحيّة. وكلّ شيء لا يستعين بيد ولا رجل ولا جناح، وإنما يستعمل أجزاء بدنه معا فإنه يكون شديد البدن.
وخبّرني بعض الصيّادين أنّ الشبوطة تنتهي في النهر إلى الشّبكة فلا تستطيع النفوذ منها، فتعلم أنها لا ينجيها إلا الوثوب فتتأخّر قدر قاب رمح، ثم تتأخّر جامعة لجراميزها حتّى تثب، فربّما كان ارتفاع وثبتها في الهواء أكثر من عشر أذرع. وإنما اعتمدت على ما وصفنا. وهذا العمل أكثر ما رووه من معرفتها، وليس لها في المعرفة نصيب مذكور.
وأنواع من السمك يغوص في الطّين، وذلك أنها تنخر وتتنفّس في جوفه، وتلزم أصول النبات إذا لم يرتفع، وتلتمس الطّعم والسّفاد.
ونحن لم نر قطّ في بطن دجلة والفرات وجميع الأودية والأنهار، عند نضوب الماء، وانكشاف الأرض، وظهور وجه الطين، وعند الجزر والنّقصان في الماء في مواخر الصيّف وأيّام مجاورة الأهلّة والأنصاف جحرا قطّ، فضلا على ما يقولون، أنّ لها في بطون الأنهار بيوتا.
ورأيت عجبا آخر، وهو أنّي في طول ما دخلت البراريّ، ودخلت البلدان، في صحارى جزيرة العرب والرّوم والشّام والجزيرة وغير ذلك، ما أعلم أني رأيت على لقم طريق أو جادة، أو شرك مصاقب ذلك أو إذا جانبت الطّرق، وأمعنت في البراري، وضربت إلى الموضع الوحشي- جحرا واحدا يجوز أن يدخله ضبع أو تيس ظباء، أو بعض هذه الأجناس الوحشيّة. وما أكثر ما أرى الجحرة، ولكني لم أر شيئا يتسع للثّعلب وابن آوى، فضلا على هذه الوحوش الكبار مما هو مذكور بالتّولج والوجار، وبالكناس والعرين.
وجحر الضبّ يسمّى عرينا، وهو غير العرين الذي يضاف إلى الشّجر.
وأمّا حفظ الحياة والبصر بالكسب، والاحتراس من العدوّ والاستعداء بالحيل، فكما أعدّ الضبّ واليربوع.
والفهد إذا سمن عرف أنه مطلوب، وأنّ حركته قد ثقلت، فهو يخفي نفسه بجهده حتى ينقضي ذلك الزمان الذي تسمن فيه الفهود، ويعلم أنّ رائحة بدنه شهيّة إلى الأسد والنّمر. وهو ألطف شمّا لأراييح السباع القويّة من شمّ السباع للرائحة الشهيّة، فهي لا تكاد تكون إلّا على علاوة الريح.
والأيّل ينصل قرنه في كلّ عام، فيصير كالأجمّ، فإذا كان ذلك الزمان استخفى
وهرب وكمن، فإذا نبت قرنه عرّضه للرّيح والشّمس في الموضع الممتنع، ولا يظهر حتى يصلب قرنه ويصير سلاحا يمتنع به. وقرنه مصمت، وليس في جوفه تجويف، ولا هو مصمت الأعلى أجوف الأسفل.
والبعير يدخل الرّوضة والغيضة، وفي النبات ما هو غذاء، ومنه ما هو سمّ عليه خاصة، ومنه ما يخرج من الحالين جميعا، ومن الغذاء ما يريده في حال ولا يريده في حال أخرى، كالحمض والخلّة، ومنه ما يغتذيه غير جنسه فهو لا يقربه وإن كان ليس بقاتل ولا معطب. فمن تلك الأجناس ما يعرفه برؤية العين دون الشمّ، ومنها ما لا يعرفه حتّى يشمّه، وقد تغلط في البيش فتأكله، كصنع الحافر في الدّفلى.
والناقة تعرف قولهم: حل، والجمل يعرف قولهم: جاه. قال الراجز وهو يحمّق رجلا هجاه:
يقول للناقة قولا للجمليقول جاه يثنيه بحل
وممّا فضلت به السّباع على بني آدم أنّ الله جعل في طباع إناث السباع والبهائم، من الوحشيّة والأهلية، رفع اللّبن وإرساله عند حضور الولد، والمرأة لا تقدر أن تدرّ على ولدها وترفع لبنها في صدرها إذا كان ذلك المقرّب منها غير ولدها.
والذي أعطى الله البهائم من ذلك مثل ما تعرف به المعنى وتتوهّمه.
اعلم أنّ الله تعالى قد أقدر الإنسان على أن يحبس بوله وغائطه إلى مقدار، وأن يخرجهما، ما لم تكن هناك علّة من حصر وأسر، وإنما يخرج منه بوله ورجيعه بالإرادة والتوجيه والتهيؤ لذلك. وقد جعل الله حبسه وإخراجه وتأخيره وتقديمه على ما فسّرنا. فعلى هذا الطريق طوق إناث السّباع والبهائم، في رفع اللّبن.
وقد قال الله جل ثناؤه: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ
أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
. فالكلمة في الحشر مطلقة عامّة، ومرسلة غير مستثنى منها. فأوجب في عموم الخبر على الطّير الحشر، والطير أكثر الخلق. والحديث: «إنّ أكثر الخلق الجراد».
ومن العقارب طيّارة قاتلة. وزعم صاحب المنطق أنّ بالحبشة حيات لها أجنحة.
وأشياء كثيرة تطير بعد أن لم تكن طيّارة، مثل الدعاميص، والنّمل، والأرضة، والجعلان.
والجراد تنتقل في حالات قبل نبات الأجنحة.
قالوا: وحين عظّم الله شأن جعفر بن أبي طالب، خلق له جناحين يطير بهما في الجنّة، كأنه تعالى ألحقه بشبه الملائكة في بعض الوجوه.
وذكر الله الملائكة فقال: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
ولا يقال للملائكة طير، ولا يقال إنها من الطّير، رفعا لأقدارها.
ولا يقال للنمل والدعاميص والجعلان والأرضة إذا طارت: من الطّير، كذلك لا يقال للجرجس والبعوض وأجناس الهمج إنها من الطير، وضعا لأقدارها عن أقدار ما يسمّى طيرا. فالملائكة تطير ولا يسمّونها طيرا لرفع أقدارها عن الطير. والهمج يطير ولا يسمّى طيرا لوضع أقدارها عن الطّير.
وفي الرواية أنّ النبي ﷺ أنشد قول أميّة بن أبي الصّلت:
رجل وثور تحت رجل يمينهوالنّسر للأخرى وليث مرصد
فقال: «صدق». وقوله «نسر» يعني في صورة نسر، لأنّ الملك لا يقال له نسر ولا صقر ولا عقاب ولا باز.
وذكروا غراب نوح. وحمامة نوح، وهدهد سليمان، والنحل والدرّاج، وما جاء من الأثر في ذلك الديك الذي يكون في السماء.
وقال الناس: غراب نوح، وهدهد سليمان، وحمامة نوح. ورووا في الخطاف والصّرد.
ولا نعرف شيئا من الحيوان أشرف اسما من الخيل والطّير، لأنّهم يقولون: فرس جواد، وفرس كريم، وفرس وسيم، وفرس عتيق، وفرس رائع.
وقالوا في الطير لذوات المخالب المعقّفة، والمناسر المحدّبة: أحرار، ومضرحيّات، وعتاق؛ وكواسب، وجوارح. وقال لبيد بن ربيعة:
فانتضلنا وابن سلمى قاعدكعتيق الطّير يغضي ويجلّ
وقال الشّاعر:
حرّ صنعناه لتحسن كفّهعمل الرفيقة واستلاب الأخرق
ولولا أنا قد ذكرنا شأن الهدهد والغراب والنمل وما ذكرها به القرآن، والخصال التي فيها من المعارف ومن القول والعمل، لذكرناه في هذا الموضع.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع