من «التنبيه على حدوث التصحيف» لحمزة الأصفهاني (ت ٣٦٠هـ)
مقدمة المؤلف
﷽
وما توفيقي إلا بالله
أطال الله بقاءك في العز والسرور، والأمن والحبور، وأدام نسمتك مُعانًا على ابتناء المكارم، واصطناع المحامد، وأقرَّ بها عينك في زيادة من القدر، ونباهةٍ من الذكر، وبلغك أمانيك محروسًا من المكاره والغِيَر، وأطاب عيشك في تراخي الأمد، وبُعد المهل، مؤيدًا بالتوفيق في القول والعمل.
سألت، أنجح الله سؤلك، أن أذكر لك سبب حدوث التصحيف في الخط العربي، واعتراض اللبس في تهجَّيه، حتى اضطروا على ممر السنين عليه، إلى توليد النقط والإعجام فيه، وقلت: قد فضح التصحيف في دولة الإسلام خلقًا من القضاة والعلماء والكتَّاب والأمراء وذوي الهيئات من القرّاء؛ كحيان بن بشر قاضي أصفهان، وقد تولى قضاء الحضرة أيضًا، فإنه كان روى لأصحاب الحديث أن عَرْفَجَة قُطع أنفُهُ يومَ الكلاب، وكان مستمليه رجلاً يقال له كَجَّة، فقال: أيها القاضي إنما هو يوم الكُلاب - كغُراب -[موضع وماء] فأمر بحبسه، فدخل
الناسُ إليه، وقالوا: ما دهاك؟ فقال: قُطع أنف عرفجة يومَ الكُلاب في الجاهلية، وامتُحنتُ أنا به في الإسلام؛ وكان أحمد بن موسى بن إسحاق من جلّة قضاة السلطان؛ فانه أملى بأصبهان على أصحاب الحديث؛ حدثني فلان بن فلان عن هندٍ: أن المعتوه، يريد؛ عن هند؛ أن المغيرة.
وزعمتَ أن المحدثين بالبصرة غبروا زمانًا يروون أن عليًا (رض) قال: ألا إن خراب بصرتكم هذه يكون بالريح. فما أقلعوا عن هذا التصحيف إلا بعد مائتي سنة عند معاينتهم خرابها بالزنج، وأن كثيرًا من رواة الحديث يروون أن النبي ﷺ قال: تختّموا بالعقيق، وإنما قال: تخيّموا بالعقيق، وهو اسم وادٍ بظاهر المدينة، وأنك سمعت رجلاً من جلّة المحدّثين يروي أن مرحبًا اليهودي قتله عليّ يوم حنين وإنما قتله يومَ خيبر، وأن محدثًا يروي أن رسول الله ﷺ كان يكره النَّوم في القدر، وإنما كره ﷺ الثوم في القِدْر، كما روى آخر أن رسول الله ﷺ، كان يستحب العَسَل في يوم الجمعة، وإنما كان يستحب الغُسل فيه، وإن رجلاً آخر روى أنه قال ﷺ: الجار أحق بصفته وإنما هو بصَقيه كما روى من روى أن رسول الله ﷺ: بلع قديدًا، يريد: بلغ قُديدًا وروى آخر: لا بأس أن يصلي الرجل في كمّه سنّورة، وإنما هي سبّورة وهي الألواح من الأبنوس يكتب فيها
التذكرات. وروى آخر: لعن الله اليهودَ، حرمت عليهم الشحوم فحملوها، وإنما هي: فجملوها أي أذابوها، وروى آخر: من أنزلت إليه نعمة فليشكرها، وإنما هو: أُزِلّت، أي أُسديت. ورووا: عم الرجل ضيق أبيه، وإنما هو: عم الرجل صنو أبيه أي شبهه، ورووا أن الحارث بن كَلَدَة كان يقعد في مقتأةٍ له، وإنما هو: مقناةٍ له، وهي كل موضع يواجه مدار بنات نعش فلا تقع فيه الشمس وإن الحارث بن كَلَدَة كان يقول: الشمس تنقل الريح، وإنما هو: تنفل. ورووا أنه نُهي عن لبس القِسِيِّ، وإنما هو: القَسِيُّ وهو ثوب رقيق النسيج قبطي منسوب إلى قرية من قرى مصر تسمى قَسا، كما أن الشطوي منسوب إلى قرية هناك تسمى شَطَا، والديبقي إلى قرية تسمى ديبقا، وإن الشيرجي، وكان إمامًا من أئمة الحنبلية اجتاز بمسجد فيه مُعَزّى، فخرج عليه منه نحويّ بغيض، فقال له الشيرجي: من المتوفي؟ فقال النحوي: اللهُ، فلبّبه وقال: زنديق والله ورفعه إلى صاحب الجسر، ورووا أن أعرابيًا أتى النبي ﷺ وعلى يده سخلةُ تبعر، وإنما هو: تَيْعر أي تعوَت، واليُمار صوت اليَمْر وهو الجدي.
وزعمت أنك حضرت رجلاً من الكبراء وقد قرأ في المصحف ﴿يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والديك﴾ فخالف قول الله ﷿ ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب﴾ وأن عبد الله بن أحمد بن حنبل تقدم قومًا يصلي بهم فقرأ ﴿اقرأ باسم ربك الذي خُلق﴾ فقال له قائل: أبوك ضرب بالسياط على أن يقول كلام الله مخلوق، وقد جعلت خالق الأشياء مخلوقا! وأنه قرأ يومًا آخر ﴿هو الله الخالق البارئ المصور﴾، وقرأ آخر ﴿والماديات صبحا﴾ كما قرأ آخر ﴿وفرش مرقوعة﴾ وقرأ آخر ﴿وأخذ برأس أخيه يجزه إليه﴾ كما قرأ آخر ﴿فكذبوهما فعزرنا بثالث﴾.
وذكرتُ أن إبراهيم بن أرومة الأصبهاني حكى أن عثمان بن أبي شيبة قرأ ﴿جعل السقاية في رجل أخيه﴾، وقرأ ﴿وما علّمتم من
الخوارج مكلبين﴾ وقرأ ﴿واتبعوا ما تبلو الشياطين على ملك﴾. وإن الوليد ابن عبد الله صلَّى بالناس وهو خليفة فقرأ في أم الكتاب ﴿صراط الذين أنعمتُ عليهم﴾ وقرأ يومًا آخر على المنبر ﴿يا ليتها كانت القاصية﴾ فسمعها عمر بن عبد العزيز فقال: يا ليتها كانت بك.
ثم قلت: ودع هؤلاء، هذا حماد الرواية سمى بشارُ الشاعر به إلى عقبة بن أسلم أمير البصرة أنه يروي جلّ أشعار العرب ولا يحسن من القرآن غير أم الكتاب فامتحنه الأمير بتكليفه القراءة في المصحف فصحَّف فيه عدَّة آياتٍ لم يبق على الحفظ منها إلا عدة وعشرون حرفًا وهي:
﴿وأوحى ربك إلى النخل أن اتخذي من الجبال بيوتًا﴾ و ﴿من الشجر ومما يفرشون﴾ ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها أباه﴾ و ﴿ليكون لهم عدوًا وحربًا﴾ و ﴿ما يجحد بآياتنا إلا كل جبار كفور﴾ و ﴿بل الذين كفروا في غرّة وشقاق﴾
و ﴿فعززوه ونصروه﴾ و ﴿تُعزّزوه وتوقروه﴾ و ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأنٍ يغنيه﴾, ﴿هم أحسن أثانًا وزيًا﴾ و ﴿قال عذابي أصيب به من أساء﴾ و ﴿يوم يحمى غليها في نار جهنم﴾ و ﴿فادوا ولات حين مناص﴾ و ﴿تبلوا أخبارهم﴾ و ﴿صيغة الله ومن أحسن من الله صيغة﴾ و ﴿فاستعانه الذي من شيعته على الذي من عدوه﴾ و ﴿سلام عليكم لا نتبع الجاهلين﴾, ﴿لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها﴾ و ﴿أهليكم أو كأسوتهم﴾ و ﴿يا ويلنا من بلغتنا من مرقدنا هذا ... ﴾ و ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العائذين﴾ ويروى العائدين.
وقالت: ولأهل اللغة أيضًا تصحيفات تضحك السامعين وسار بها أشعار تروى على الأزمان منها:
أن أبا حاتم حكى عن نفسه أنه كان يقرأ شعر المتلمِّس على الأصمعي.
وأراد أن يقول:
أغنيتُ شأني فأغنوا اليوم شأنكمواستحمقوا من مراس الحرب أو كيسوا
فقال: أغنيت شأني، فقال الأصمعي، بالعجلة: فأغنوا اليوم تبسكم إذًا، وأشار إلى أبي حاتم فأضحك منه الحاضرين.
وقال أبو حاتم: كنت أختلف مع أبي عبيدة والأصمعي إلى ذوي الأشراف بالمربد من رهط سليمان بن علي للاستماع إلى ما يقرأ عليهما من الكتب، فقرأ على أبي عبيدة يومًا سليمان بن جعفر شعر عبيد فقال: حال الحريص دون القريض فقال أبو عبيدة: الحرص شؤم وتغافل.
وقرأ عليه يومًا آخر في شعر عنترة:
ذهب الذين فراقهم أتوقعوجرى ببينهم الغرابُ الأنقع
فقال أبو عبيدة: تعس الغراس ولم يزد عليه.
وقرأ مسلم بن سعيد بن مسلم يومًأ على الأصمعي:
عَرَفت بأعشاشٍ وما كنت تعرِفوأنكرتَ من أسماء ما كنت تعرف
فقال الأصمعي: كذا يقال الشعر؛ ولم يفطنه.
وقال المبرد: أخبرني المازني أن خلفًا الأحمر حضر يومًا يونس والفيضُ بن عبد الحميد يقرأ عليه:
عذيرَ الحيّ من عَدْوانَ كانوا جنة الأرض
فقال له خلف الأحمر: صحّفت إنما هو (حية الأرض) على طريق التجنيس والمطابقة، فلم يقبله وأقلم على روايته، ولمْ فيها ونصره عليه المتنبي فقال خَلَفٌ فيهما:
لنا صاحبٌ مولعُ بالخلافكثيرُ الخطاء قليلُ الصواب
أشدٌ لجاجًا من الحنفساءوأزهي إذا ما مشى من غراب
ذا عضهوا عنده عالمًارَبَا جسدًا ورماهُ بعاب
وليس من العِلم في كفِّهإذا ذُكرَ العلمُ غيرُ التراب
أضاليلُ ألّفها شوكرٌوأخرى مؤلفةٌ لابنِ داب
فلو كان ما قد روى عنهماسماعًا ولكنَّه من كِتَاب
رأى أحرفًا شبهتْ في الهجاءسواءً إذا عدها في الحساب
فقال (أبي الضيم) يُكنى بهاوليست (أبي) إنما هي (آبي
وفي يوم (صِفينَ) تصحيفةٌوأخرى له في حديث (الكُلابِ
كتصحيف فيض بن عبد الحميدفي (جنة الأرض) أو في الذباب
وما جِنّةُ الأرضِ من (حيةٍوما للذُبابِ وصوتِ (الذِّئابِ
وعالى بذلك في صوتهِكمعمعةِ الرعد بين السحاب
وعدلت إلى ذكر تصحيف الكتاب فزعمت أن (صاحبِ) بريد أصفهان كتب في الخَبَر إلى محمد بن عبد الله بن طاهر أن فائدًا مِمَن بها
من الموالي يلبس خزلجية ويجلس للنساء في الطرقات، فكتب محمد إلى يحيى بن هرثمة، وكان يلي أصفهان من قبله؛ أشخص إلي فلانًا وخزلجيته، فقرأ عليه الكتاب كاتبه محمد بن رسم والد أبي علي الرستمي، وصحّفه إلى (وجزَ لحيته)، فجزّ لحيته وأشخصه، وكان آيةً ونكالاً.
وإن سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله على المدينة: أحْصِ المخنثين قبلك. فوقعت من قلم الكاتب نقطة على الحاس فجعلها خاء فلما ورد الكتاب على والي المدينة قرأ كاتبه: اخص المخنقين، فقال له الأمير: لعله: أحص المخنثين، فقال: أيها الأمير إن على الحاء نقطةٌ مثل سُهيل، فأمر الأمير بإحضار المخنثين للخصاء فتهارب أكثرهم، ووقع أقلُّهم، فكان من مشاهير من وقع، طويس والدلال وبرد الفؤاد ونومة الضحى ونسيم السحر وضرة الشمس ولعبة العاج وعدة أخر؛ فأما طويس فإنه قال لما خصي: ما عملتم شيئًا فبالخصاء استكملنا الخُناث، وقال الدلال: ضل سعيكم فهذا هو الختان الأكبر، المطرف لولوج الكمر، وقال بردُ الفؤاد: بعدًا وسحقًا لما صرنا به من نساءً حقًا، وقال نومة الضحى: ما كان أغناني عن سلاح لا أقاتل به، وقال نسي السحر: أُفٍ لكم ما سلبتموني إلا ميزابَ بولي.
ثم قلت: فاعجب بنقطة أدخلت رجالاً في عداد النساء، وأكبرتَ ما حل بابن الروعي من تلفه على مصَحَّف مُثل عنه، فزعمت أن القاسم
ابن عبيد الله وزير المكتفي بالله كان تقدم إلى ابن فراس أن يُعابئهُ إذا حضر مجلسه بشيء من المصحّف فساقه الحين إلى الدخول عليه من وقته، فأقبل ابنُ فراس إليه وقال له: كيف بصرك باللغة.
فقال: ما أفلّ ما يشذّ عني منها، فقال له: ما الجُرامص في كلام العرب، فاختلط ابن الرومي وقال على البديهة:
أسألتَ عن خبر الجَرامضطالبًا علمَ الجُرامض
فهو الجُراضم حين يقلبضارجٌ فيقال جارض
وهو الجُراسم والقمحرأو الحراسف والجراعض
وهو الحزاكل فالقوامِضقد تُفَسّر بالغوامض
وهو السلحكل إن فهمتوإن ركنت إلى المعارض
فاصبر وإن حمضَ الجوابُفربّ صبر جر حامض
والصفعُ محتاجٌ إلىفرعٍ يكون له مقايض
ومن اللحى ما فيه فعلٌللمواسي والمقارض
فدسَّ في طعام عشائه السم فتلف من ليلته.
وقلتَ: وممن صيره التصحيف ضحكة في مجلس الخلفاء أحمد بن أبي خالد الأحول وزير المأمون، وقد كان حضر مجلسه للمظالم يقرأ عليه القصص، وكان نهمًا فمرت به قصة عليه؛ فلان اليزيدي، فقرأها: التربدي، فقال المأمون: أبو العباس جائع هاتوا له ثريدة، فقدمت إليه فأكرهه على أكلها، وغسل يده وعاد في تصفح للقصص فمرت به قصة مكتوب عليها (فلان الحمصي) فقرأ الخبيصي، فقال المأمون: كان غداء أبي العباس غير كافٍ، لابد للثريدة من أن تتبع بخبيصة، فقرّبت إليه فأكرهه على أكلها.
ومنهم شجاع بن القاسم كان قرأ على المتوكل كتابًا فيه (حاضِرُ طَيٍ) فقرأها (جاء ضَرْ طي).
وكان للمتوكل صاحب خَبرٍ يقال له ابن الكلبي، فكان يرفع في الخبر له كل ما سمعه ليمين كان أسلفه إياها، فرفع يومًا إليه (وأن امرأتي خرجت مع حِبّةٍ لها إلى بعضُ المنازه فسكرت حبَّتُها وعربدت عليها وجرحتها في صدغها) وترك (الصدغ) غفلاً غير منقوط، فقرأ (في صدعها)، ثم قال: إنَّا لله يعطل على ابن الكلبي مناكُهُ.
وقرأ على عبيد الله بن زياد كاتبه عبيد الله بن أبي بكرة أنه وجد جماعة من الخوارج في شَرْب، فقال ابن زياد: وكيف لي بأن يكون
الخوارج يرون الشرب أو الحضور عند الشراب، وإنما وجدوا في (سربٍ).
وقلتَ: هؤلاء صرعى التصحيف فمنهم من هلك، وبعض افتضح، ولم يبلغنا أن التصحيف نفع أحدًا إلا في حكاية واحدة جاءت عن الفرزدق فإنهم زعموا أن مولى له ورد عليه البصرة من البادية فأخبره أنه خَلَّفَ بسفوان امرأة قد عاذت بغير أبيه غالب، فرد الفرزدق مولاه من فوره إلى سَفَوَان في اسشخاص المرأة فلما قدمت عليه قال لها: ما الذي دعاك إلى الاستجارة بأبي؟ قالت: ابن لي بالسند قد جمر منذ سنين فزعت في فيكتبه إليك لتتلطف في استيهابه فقال: سمعًا، ثم كتب إلى تميم بن زيد القيني عامل خالد القري على السند:
كتبتُ وعَجَلْتُ البِرادةَ إننيإذا حاجة حاولتُ عَجّتْ ركابُها
ولي ببلاد السند عندَ أميرهاحوائجٌ جمّاتٌ وعندي ثوابُها
فمن تلك أن العامرية ضمهاوبيتي نوار طالبَ منها اقترابها
أتتني تهادَى بعدَما مالتِ الطُّلىوعندي رداحُ الجَوفِ فيها شرابُها
فقلت لها إيهِ اطلبي كلِّ حاجةٍلديّ فعندي حاجةٌ وطِلابُها
فقالت بحزنٍ حاجتي أنَّ واحديحُبيش بأرضِ السندِ خوى سحابُها
فأقفل حُبيشًا واتخذ فيه منَّةًلغُصة أمٍ ما يسوغُ شرابُها
تميمُ بن زيد لا تكوننَّ حاجتيبظَهرٍ فلا يخفى عليك جوابُها
ولا تقلبنْ ظهرًا لبطنٍ صحيفتيفشاهدها فيها عليك كتابُها
فقد عَلِمَ الأقوامُ أنَّكَ فارسٌشجاعٌ إذا ما الحربُ شبَّ ضِرابُها
فلما وردت عليه الأبيات قال للكاتب: أتعرف الرجل؟ فقال: كيف أعرف من لم ينسب إلى أب ولا إلى قبيلة، فقال: فاذهب واحضر بأبي كل من اسمه في الديوان حبيش، أو خنيس، أو حنيش، فأحضرهم وعددهم أربعون فأمر لكل واحد منهم بخمسمائة درهم، فقال: اقفلوا جميعًا إلى حضرة أبي فراس.
قلتُ: والذي عرض من لفظ خنيس، وحنيش، وحبيش، من دخول اللبس عليه، وتمكّن التصحيف فيه قد يعرض في علم النسب مثلُه في أسماء القبائل فإن (شيبان) في ربيعة، و (صبيان) في حمير، و (ضَبَّة)
من الرباب و (ضِنَّة) أخت عذرة.
وزعمت أن حنين بن إسحاق المترجم كان يحتاط فيما يبلغه من أسماء الأدوية ويفزع من الحرف ذي اللبس إلى آخر يضعه مكانه فمن ذلك أنه كان يكتب (السمتر) بالصاد (الصمتر)، ويقول أخاف أن يقرأ (الشعير) فيصير به الدواء داءً.
وعارضت الروايات التي جائت فيمن وضع الخط العربي وقلت: رووا أن أول من وضع الكتابة العربية قوم من الأوائل نزلوا في عدنان ابن أدّ بن أُدد فاستعربوا ووضعوا هذه الكتابة على عدد حروف أسمائهم وكانوا ستة نفر أسماؤهم: أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت.
وأنهم كانوا ملوك مدين ورئيسهم كلمن فهلكوا يوم الظلّة مع قوم شعيب فقالت أختُ كلمن ترثيه:
كَمَونٌ هدّ ركنيهلكهُ وَسْطَ المحلهْ
سيدُ القوم أتاه الحتفُنارًا وسطَ ظُلَّه
جُعلت نارًا عليهمدارهم كالمضمحلّه
ثم وجد من جاء بعدهم حروفًا ليست من أسمائهم وهي ستة: الثاء، والخاء، والذال، والضاد، والظاء، والغين، فسموها الروادف "ثخذ ضظغ".
واقتضيتَ شيئًا مما يطول به الكتاب للتكرار الذي يقع فيه عند الإجابة عنه؛ وأنا أجيبك عما سألتَ عنه سالكًا فيه طريق الإنصاف، وتاركًا سبيل الضاد، متخلصًا من ركوب المصيب، والركون إلى الفساد واللّجاج وحميّة الجاهلية إن شاء الله.
بسم الله: أما ما دفعتُه من رواية من روى أن أبجد وهوّز وحطي وما بعدها أسماء رجال وضعوا الكتابة العربية فلازم من جهات كثيرة؛ إحداها: أن هذه الكلمات الواقعة على حروف الهجاء أعني أبجد وأخواتها، لم تزل مستعملةٌ على وجه الدهر عند كل أمة وجيل من سكان الشرق والغرب ومتداولة في الأعداد النجومية خاصةً، وبعدُ فهي عند السريانية الأصل الذي يُتعلم منه الهجاء، وقد بقي استعمال ذلك عن الإسرائيليين من اليهود، والنصارى يدرسونه الصبيان في الكنائس فيقولون عند تعليمهم هجاء العبرانية الف، با، كمل، دال ....
ثم يتبعونه بما يجئ بعده من قولهم: هوز، حطي ... على حكاية لغتهم، وهذا الذي عرَّبه عرب الإسلام، فقالوا (أبجد) مكان: ألف، با، كمل، دال.
وقال ابن دريد: في حروف الهجاء العربي حرفان لا يجريان إلا على لسان العرب ولا يوجدان في لغات سائر الأمم وهما الظاء والحاء فخالفه بعض من كان يناوئه وقال الحاء موجودة في لغات ثلاث من الأمم؛ السريانية والعبرانية والحبشية.
وقال غير ابن دريد، الصاد لا تقع في لغة الروم، كما أن الضاد لا تقع في لغة الفرس، والذال لا تقع في لغة السريانيين، كما أنه لا يقع في لغة العرب لام بعدها شين، كما لا يقع فيها حرفان من حروف التهجي لفظهما واحد متجاورين في الأسماء والأفعال: شش، وكك .. وقد يقمان في أواخرها نحو نِكَك وصَكَك ومَشَش إلا في أسماء أصلها فارسية نحو: (بَبَان) و (دَدَان) و (ددٍ)، كما أنه لا يقع الذال في لغة الفرس في أوائل الأسماء والأفعال وإنما يقع في أواخرها وأواسطها.
والجهة الثانية: أن أصول الهجاء العربي ليست عل نسق تأليف وأصول هجاء السريانيين الذين هو: أبجد هوز .... لأن هجاء العرب مؤسس على: ابتث، جحخد، ذرزس، شصضط، ظعغف، قكلم، نوهي. هذا هو قياس:
اب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ع غ ف ق ك ل م ن هـ وي.
له، ألِّف من حروفها جُمَلٌ تجري في العربية مجرى أبجد في السريانية. والجهة الثالثة أن هذا الخبر صادر عن رجل كان يولد الأخبار
على الأمم الذين بادوا كعادٍ وثمود، وطسم وجديس، وأضرابهم، فإذا احتاج إالى توليد أشعار يؤكد بها تلك الأخبار خرج إلى ظاهر المدينة لامتحان الأعراب ملتمسًا من يحسن قول الشعر فإذا عثر على واحد عدل به إالى منزله فغدَّاه وكساه وحباه ثم سأله أن يقول شعرًا من جنس ما يريده فكانوا يعملون له مثل:
كَلَمونٌ هدّ ركنيهلكهُ وَسْطَ المحلهْ
وهذا الرجل هو الذي ادعى على آدم ﵇ أنه كان شاعرًا وروى له:
تغيرت البلاد ومن عليهافوجهُ الأرض مغيرٌ قبيحُ
تغَيّرَ كلُّ ذي طعمٍ وريحوقلَّ بشاشةُ الوجهِ المليح
وبُدّل أهلُها أثلاً وخَمْطًابجناتٍ من الفردوس فيح
وجاورنا عدوٌ ليس ينأىلعينٌ ما يموت فنستريحُ
فلولا رحمةُ الخلاق أضحىيكفي من جنان الخلد ريحُ
فيا أسفي على هابيلَ إبنيقتيلاً قد توسدَ في الضريح
فنسل بغباوته إلى نبيٍّ من أنبياء الله شعرًا ركيكًا واهي الركن ضعيف الأسر ذا إقواء ولم يعلم أن الإقواء من أكبر عيوب العشر وليت شعري ما معنى قوله: تغير البلاد؟ وأين رقاع هذه البلاد؟ ومن كان بانيها؟ وماذا أراد بقوله: ومن عليها؟
وقد جاءت روايات عارية من المحال يقبلها القلب من أن واضع الكتابة العربية مرامر بن مرة قبيل دولة الإسلام، وكان رجلاً من أهل الأنبار، فوقعت من الأنبار إلى الحيرة، ومن الحيرة إلى مكة والطائف، وجاءت رواية أخرى تؤيد هذه، فروي عن يحيى بن جمدية أنه قال سألت المهاجرين: من أين صارت إليكم الكتابة بعد أن لم تكونوا كَتَبة، فقالوا: من الحيرة، وسألنا بعدُ أهل الحيرة: ممَّن أخذتموها، فقالوا: من أهل الأنبار، وفي رواية ابن الكلبي والهيثم بن عدي: أن الناقل لهذه الكتابة من العراق إلى الحجاز كان حرب بن أمية وكان قدم الحيرة قدمة فعاد إلى مكة بها.
قالا: وقيل لأبي سفيان بن حرب ممّن أخذ أبوك هذه الكتابة؟ فقال: من أسلم بن سِدرة وقال: سألت أسلمَ: ممّن أخذت هذه الكتابة؟ فقال: من واضعها مرامر بن مرة. فحدوث هذه الكتابة
للعرب قبل الإسلام صحيح يؤيده حدوث آلات أخر لهم لم تكن من قبل منها (الخطابة) و (البلاغة) و (قول الشعر) فإن هذه الأشياء كلها قريبة من ميلادل إقبال دواتهم، وقد كانوا غبروا بباديتهم الدهر الأطول وهم أميون لا يقرءون ولا يكتبون؛ وكانت لحمير كتابة تسميها (المسند) منفصلة غير متصلة، وكانت حمير أمة على حدة، مباينة للعرب باللغة اليسيرة، بعيدة الدار من ديارهم، في منقطع التراب، على شاطئ البحر، وجيرانهم فيها الحبشة والزنج وأمم أخر من السودان، وكانوا مع ذلك يمنعون تعلم هذه الكتابة على العامة فكان لا يتعاطاها إلا من يؤذن له في تعلمها فلذلك دخلت دولة الإسلام وليس بجميع اليمن من يقرأ بها ويكتب .....
وجل كتابات الأمم من سكان الشرق والغرب والجرب والجنوب اثنتا عشرة كتابة وهي:
العربية، والحميرية، والفارسية، والعبرانية، والسريانية، واليونانية، والروسية، والقبطية، والبربرية، والأندلسية، والهندية، والصينية.
فخمس منها اضمحلت وبطل استعمالها وذهب من يعرفها وهي:
الحميرية، واليونانية، والقبطية، والبربرية، والأندلسية.
وثلاث قد بقي استعمالها في بلادها وعلم من يعرفها في بلدان الإسلام وهي: الروسية، والهندية، والصينية.
وحصلت أربع هي مستعملات في بلدان الإسلام وهي:
العربية، والفارسية، والسريانية، والعبرانية.
فأما العربية فذات نوع لا يتفنن، وإنما يتغير تخطيط أقلامها في حال التجويد والتعليق.
وأما الفارسية فمتنوعة ذات سبعة فنون ذكر ذلك محمد الموبذ المعروف بأبي جعفر المتوكلي وزعم أن الفرس في أيام ملكها كانت تعبّر عن أصناف إرادتها بسبع كتابات، وأسماؤها:
رَمْ دِفيره.
كَشْتَه دفيره.
نيم كشته دفيره.
فِرورده دفيره.
راز دفيره.
دين دفيره.
وسق دفيره.
وأما معنى (رم دفيره) فالكتابة العامية.
ومعنى (كَشْته دفيره) الكتابة المغيّرة.
ومعنى (نيم كشته دفيره) الكتابة المغيرة نصفها.
ومعنى (فرورده دفيره) كتابة الرسائل.
ومعنى (راز دفيره) كتابة السر، وكتابة الترجمة.
ومعنى (دين دفيره) كتابة الدين وكان يكتب بها قرآنهم وكتب شرائعهم.
ومعنى (وسق دفيره) جامع الكتابات، وكانت كتابة تشتمل على لغات الأمم من الروم والقبط والبربر والهند والصين والنبط والعرب.
فكانت كتابة العامة من بينها ترسم بثمانية وعشرين قلمًا لكل قلم منها اسم على حدة نحو ما يقال في الخط العربي، خط التجاويد، وخط التحرير، وخط التعليق.
وكانت صناعة الكتابة ذات أسماء مختلفة تلزم فنون طبقات الأعمال وقد نسي أكثر الأسماء؛ فما بقي على الحفظ:
داد دفيره.
شهرهمار دفيره.
كده همار دفيره.
كنج همار دفيره.
آخرهمار دفيره.
آتشان همار دفيره.
روان كار همار دفيره.
وأما داد دفيره فكتابة الأحكام والأقضية.
وشهر همار دفيره كتابة [الثلث] والخراج.
وجده همار دفيره كتابة حسابات دار الملك.
وكنج همار دفيره كتابة الخزائن.
وآخر همار دفيره كتابة الاصطبلات.
وآتشان همار دفيره كتابة حسابات النيران.
وروان كار همار كتابة الوقوف.
وكانت كتابات غير ذلك درست أسماؤها ولم تبق؛ فكانوا يستعملون في الكتابة هذه الأنواع السبعة كما كانوا في المنطق يستعملون خمس لغات وهي: الفهلوية، والدرية، والفارسية، والخوزية، والسريانية.
فأما الفهلوية؛ فكان يجري بها كلام الملوك في مجالسهم وهي لغة منسوبة إلى فهلة، وفهلة اسم يقع إلى خمسة بلدان وهي: أصبهان والري وهمذان وماء تهاوند، وآذربيجان.
وأما الفارسية فكان يجري بها كلام الموابذة ومن كان مناسبًا لهم وهي لغة كور بلد فارس.
وأما الدرية فهي مدن المدائن وبها كان يتكلم من باب الملك فهي منسوبة إلى حاضرة الباب، والغالب عليها من بين لغات بلدان أهل المشرق لغة أهل بلخ.
وأما الخوزية فهي منسوبة إلى كور بلاد خوزستان، وبها كان تكلم الملوك والأشراف في الخلاء ومواضع الاستفراغ وعند التعري في الحمَّام وفي الأتون والمغتسل.
وأما السريانية فهي لغة منسوبة إلى كور بلاد سوريان ستان وهي بالعراق، والسوريانيون هم الذين يقال لهم النبط، وبها كان يجري كلام حاشية الملك إذا التمسوا الحوائج وتشكّوا الظلامات لأنها أملق الألسنة.
إلى ههنا حكاية زردشت بن آزدخور المعروف بمحمد المتوكلي.
وكانت للفرس كتابة أخرى تسمى كتابة العصا حكاها الشفعاني ولم يعرفها المتوكلي فسمعت بكرًا الأقليدسي يقول: سألت الشلمناني عن معنى هذين البيتين:
أيُّ كتابٍ بالطي تعرفُهُوعند ضَمٍّ تبين أحرُفُه
والنشرُ مما يزيل صورتهوكُتُبُنا كلُّها تخالفُه
فقال: هذا نعت كتابة العصا، وكانت كتابة الملوك الفرس، تودعها الأسرار التي تخاطب بها خواص عمَّالها في بلدان أعمالها، ولم تكن تخط
بمداد ولا ما يجري مجراه، وإنما كان يُعْمَدُ إلى جلد أبيض فيُقَيد منه سير طويل ثم يعمد إلى عصا الفيج أو المكاري فيلف السير عليها، ويضم حروف السي بعضها إلى بعض، ثم يدعو بمسامير فتركب في السير على العصا كي يتماسك، ثم يكتب عليه ما يخاطب العامل به، فإذا فرغ من الكتاب سُلَّت تلك المسامير وكشف ذلك السير عن العصا فكان لا يتبين منها إلا نقط متفرقة، ثم يلف السير ويجعل كالطبق، ويقال للفيج أو المكاري إذا نزلت منزلاً فضع طعامك عليه لتوهم أنه طبق طعامك فيكون هذا دأب الرسول إلى أن يبلغ إلى حضرة المكتوب إليه، فحينئذ يرد لف السير على العصا، كما كان رسم به، بأن يجعل الثقب التي في السير تجاه الثقب التي في العصا، ويشد المسامير في الثقب ثم يضعها عند المكتوب إلأيه، فهذا هو الكتاب الذي إذا ضم وطوي بعضه إلى بعض أمكنت قراءته فإن نشر زالت صورته فتعذرت قراءته.
ثم سألت عنها أحمد بن علي البرقي فقال: نعم هذا صحيح، وأخذ درجًا من كاغد كان بين يديه فكسر منه شبيهًا بورقتين وضم أثناءه بعضها إلى بعض ثم كتب عليه شيئًا يُقرأ، ثم نشره وبسمله فصار في كل موضع من الورقتين كالعلامة والنقطة، فقال: هذا هو الكتاب الذي وصفه قائل البيتين:
قال بكر: ولم أشر واحدًا من المعنيين ولا خطر لي ببال ولكنني مررت بصحّاف عنده مجلّد فنظرت إلى حروف الأوراق الممسوحة
بالسيف، وقد كتب عليه كتاب كذا وكذا، فكان هذا يُقرأ مادام متصافًا [متصلا] فإذا نشر وتباينت الأوراق صارت الكتاب كالنقطة والعلامة في حروف الورق فهذا الذي أردته.
وأما قولهم: صحف فلان ما رواه، وجاء بالمصحّف؛ فقد أجاب أهل المعاني في معناه، فقالوا: أما معنى قولهم (التصحيف) فهو أن يقرأ الشيء بخلاف ما أراد كاتبه وعلى غير ما اصطلح عليه في تسميته، وأما لفظ (التصحيف) فإن أصله فيما زعموا أن قومًا أخذوا العلم عن الصُحف من غير أن لقوا فيه العلماء فكان يقع فيما يروونه التغيير فيقال عندها (قد صحفوا فيه) أي رووه عن الصحف، ومصدره التصحيف ومفعوله مصحّف.
فأما المُصحف فمأخوذ من قولهم (أصحف إصحافًا) وأصله أن الصحف جمعت فيه فقيل: قد أصحف، ولو مسمى التصحيف تغييرًا أو تبديلاً جاز. وقال أبو فواس في تقريظ أستاذه خلف الأحمر:
لا يهم الحاء في القراءة بالخاء ولا يكون إسناده عن الصُّحف
وأما سبب وقوع التصحيف في كتابة العرب فهو أن الذي أبدع صور حروفها لم يضعها على حكة، ولا احتاط لمن يجيء بعده، وذلك أنه وضع لخمسة أحرف صورة واحدة وهي:
الباء، والتاء، والثاء، والياء، والنون.
وكان وجه الحكمة فيه أن يمنع لكل حرف سورة مباينة للأخرى حتى يؤمن عليه التبديل.
وقال أرسطو طاليس: كل كتابة تتشابه صور حروفها فهي على شرف تولد السهو الغلط والخطأ فيهم، لأن ما في الخط دليل على ما في القول، وما في القول دليل على ما في الفكر، وما في الفكر دليل على ما في ذوات الأشياء.
وزعم بعض الفلاسفة أن كتابات الأمم إنما اختلفت كما اختلفت لغاتهم، فأما المعنى الواصل إلى الفكر فواحد لا يتغير، وصورة حروف الهجاء إنما هي علامات تحميل الدلالات، والعلامات كانت أشهر صارت دلالاتها أوضح، وإذا جاءت الدلالات أوضح كان الشك فيها أبعد، والفهم إليها أسرع.
وأما سبب إحداث النقط فإن المصاحف الخمسة التي استكتبها عثمان ﵀ وفرقها على الأمصار، غير الناس يقرءون فيها نيفًا وأربعين سنة, وذلك من زمان عثمان إلى أيام عبد الملك، فكثر التصحيف على ألسنتهم، وذلك أنه لما جاءت الباء والتاء والثاء أشباهًا في الاتصال والانفصال، وكانت الياء والنون بحكيانها في الاتصال تمكن التصحيف في الكتابة تمكنًا تامًا، فلما انتشر التصحيف بالعراق فزع الحجاج إلى كتابه وسألهم أن يضموا لهذه الحروف المشتبهة علامات فوضوا النقط إفرادًا، وازدواجًا، وخالفوا
في أماكنها بتوقيع بعضها فوق بعض الحروف وبعضها تحت الحروف، فغير الناس بعد حدوث النقط زمانًا طويلاً لا يكتبون دفترًا ولا كتابًا إلا منقوطًا، فكان مع استعمالهم النقط يقع التصحيف، فأحدثوا الإعجام، فكانوا يُتبعون ما يكتبون بالنقط مع الإعجام فإذا أغفل الاستقصاء على الكلمة فلم توفَّ الحقوق كلها من النقط والإعجام اعترافها التصحيف فالتمسوا حيلة ثالثة [فلما] لم يقدروا عليها قالوا فقد بان لمن عقل وأنصف من نفسه أن اعتراض التصحيف في هذه الكتابة، مع ما جُلب إليها من الزيادة في البيان بالنقط والإعدام، ليس إلا من ضعف الأساس.
قالوا: والتصحيف ربما عرض في الكلمة على مثالين وثلاثة وأكثر، وربما لم يعرض فيها بتة، فأما ما لا يعرض فيه بتة فمثل (طمع) فإنه لا تصحيف له إلا أن يوصل بغيره، وأما ما يعرض على مثالين فمثل (الوعد) من المدة و (الوغد) للرجل الخسيس، وأما ما يعرض على ثلاثة أمثلة فمثل (الضَّخْم) للسمين و (الصَّحْم) للاحمرار في السواد و (الضَّجَم) لميلان الشدق.
فأما الاسم الثلاثي إذا كانت حروفه كلها من التشابه وكانت مثالة في الخط على هذا (سـ) فإنها تصحف على أكثر من ثلاثين مثالاً نحو:
بِنْتُ، نَبْتٌ، نِيبٌ، بِيبٌ، ثَيِّبٌ، ثَبَتَ، ثَبْتٌ، نَبَتٌ، ثَنَتٌ، نَثَتَ، نَبَثَ، ثُبِتَ، نُبْتُ، بَيَّتَ، ثَبَتُّ، نَبُتُّ، بَيَّتَ، يَبُتُّ، تُبْتُ، تُبْتَ، تُبْتُ، يَثِبُ، تَثِبُ، نَثِبُ، بِنْتُ، بِنْتُ، بِنْتَ، بِنْتِ، نَبَتُّ، نَبَتَّ.
فإذا اتفق على الاسم الثلاثي أن يكون أحد حروفه السين تصحّف على نحو مائتي مثال: نحو:
(السبب): يكون الأمر والقرابة، ويكون الحبل، فإذا صحّف إلى (السبت) كان اسم يوم من أيام الأسبوع، واسمًا لضرب من السير واسمًا لحلق الرأس.
و(السّبِت): اسم للجاود التي تتخذ للنعال.
و(السَيب): مجرى الماء وهو معرّب من الفارسية وفارسيته شف.
و(السَّيب): العطاء، والسَّيب، العبيد يعتقون.
و(الشَّيب): رقة الأسنان ونقاؤها.
و(الشيب): سير السوط.
و(الشَبَتَ): نبت.
و(شيث): ابن آدم ﵇.
ومعنى له (سَنَبٌ) من الدهر، وسَنَبهُ أي برهة.
و(النسيئ) والنسء: التأخير.
و(السيُّ) والسيء: المسيُّ.
وهو (شيء) أي مبغض.
وهم (شتى) أي متفرقون.
وهو (سيء الحال) من السوء.
وهو (بي بفلان) أي مستأنس به.
و (السنن) جمع سُنَّة.
و(سَنَن) الطريق مستواه.
وأمر (سنيٌّ) أي سهل و (سنيٌّ) أيضًا أي مرتفع.
و(سنيٌّ) مضيء.
و(سنيٌّ) مرضيٌ.
و(شَئِنٌ) غليظ جافٍ.
و(شُنْنٌ) جمع.
وفرس (سَنِتٌ) كثير الجري وجمعه سنوت.
و(السنوت) الكمّون.
و(بئس) ضد نعم.
و(بئيس) منه قول الله تعالى: ﴿وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس﴾
وقد قرئ بييس، وبئس.
و(البِيْش) حشيشة هي سم ساعة وهو اسم مأخوذ من الفارسية.
و(التيس) واحد التيوس ويقال للضبع تيس سميت بزجر لها وهو قولهم: تيسي جمار، ويقال: تيسأ جمارِ.
و(البَنْسُ) التراب.
و(التُبُشُ) جمع النابش.
و(النشب) الكسب والمال.
و(النَسَب) أن ينسب الرجل إلى قبيلته.
و(النِسَب) جمع نسبة.
و (السُنُب) جمع سنيب وهو الطريق المستدق للنمل.
و(الشَّنَبُ) أن يأكل البمبو الشوك فتغلظ مشافره، وبعير شَنِبٌ.
و(الشَّنَبُ) دوية رملية.
وطريق (يَبِسٌ) بين اليُبْس.
و(الشَّبَتُ) التعلُّق، ونصر بن شبث.
و(عبد المسيح بن شَئَن) الكاهن الذي يقول لسطيح:
أصمُّ أم يسمعُ غِطريف اليَمَنْأتاكَ شيخُ الحيّ من آل شَئَنْ
و(الشَيْن) ضد الزَّين.
وقد (شِين) وجهه.
و(الشين، والسين) حرفان من حروف المعجم.
و(التبيين) للأمر.
و(التثبت) للقدم.
و(النَّبيت) للصبي.
و(النثيث) للحديث.
و(السيب) للعطاء.
و(البثيث) للتبذير.
و(النشب) والنشوب بمعنى واحد.
ويكثر ذلك في الأفعال نحو:
(سبَّب له) المال,
و(سُبِتَ) من الشُّبات,
و(سيّب) خلّى,
و(سَنَتَ) وأسْنَتَ من الضرْ,
ويقال للمرأة (لم تَبيني) و (تُنبتي) و (بيني) بولدك من البَيْن,
ويقال للرجل (أنت تَبْتَني) و (تنثني),
وفي التثنية نحو (ثنتين ثنتين) و (بنتين بنتين),
والأمر (تبيّن)،
والمُفَلّي (نَبَشَ)،
وقال الله ﴿بست الجبال بسا﴾،
ولم (يَشُب) ودّه مَلق،
ولم (يَشِبْ) فلانُ،
وأمر (شَتُّ)،
و(سَنَتَ) القِدر بالسنوت وهو الكون.
وأحرف مما جاء على عجائين إذا لحقتهما ياه زائدة أو أضيفت أو صُغِّرت أو دخلتها نون جمع أو ياء غائب مثل:
(بُنَيَّ).
وقرعتُ (سنيّ) ندامةَ.
وقعقعت له (بشنيّ).
والنسوة (شِبْن).
فإذا تصحفت لفظة واحدة على أكثر من مائتي وجه فقد بان أن واضع الهجاء لم يحكم وضعه، ويكون الاحتراس من التصحيف لا يدرك إلا بمعرفة اللغة وعلم مقدمات الكلام ومعرفة ما يصلح أن يأتي بعدها مما يشاكلها وما يستحيل مصاقته لها، فأما إن كان قبل الخمس السنات أو بعدها حرف معنى فإن ذلك يكون منه فنون كثيرة مثل:
حسبت، وعسيت، وخنست، ومثل: حنيش، وخنيس، وعبيس، ومثل/ لو خشيت/ فإنه تصحيف/ لوح شيث/ ومثل/ نسخ/ وسببه/ وسيف/.
ولو رام إنسان من أهل الزمان أن يضع كتابة سليمة من التصحيف، جامعة لكل الحروف التي تشتمل على جميع اللغات لزمه أن يضع أربعين صورة لأربعين حرفًا؛ منها ثمانية وعشرون حرفًا؛ ما قد رسم بها هجاء العربية التي هي اب ت ث جـ حـ خـ ... ومنها أربعة جارية في العربية على ألسن أهلها ولم يخصموها بصورة وهي:
النون الغنَّاء، والهمزة، والواو والياء اللينتان.
فالنون الغنَّاء هي التي تخرج من الغُنَّة وهي مثل نون/ منذر/ لأنها ليست من مخرج ونون/ رَسَن.
والهمزة: مثل/ قرأ/ و/ رفأ ومثل أول حرف من/ أحمد/ لأنها ليست من مخرج ألف حامد.
والواو والياء في/ عمود/ و/ بعير/ لأنهما ليستا من مرخج ياء/ بُرَيْد/ و/ زبد/ وواو/ واصل/ و/ صواب/.
ومنها ثمانية أحرف لا تقع في العربية أصلاً، وإنما تقع في الفارسية خاصة وفي سائر لغات الأمم عامة وهي:
الحرف الذي بين الفاء والباء وذلك إذا قلت/ يا/ يعني الرِّجل، وإذا قلت/ بَنِير/ يعني الجبن.
والحرف الذي بين الفاء والباء أيضًا وذلك إذا قلت/ لب/ يعني الشفة وإذا قلت/ شب/ يعني الليل.
والحرف الذي بين الجيم والصاد وذلك إذا قلت/ جراغ/ يعني السراج، وإذا قلت/ جاشت/ يعني الغذاء.
والحرف الذي بين الجيم والزاي وذلك إذا قلت/ وازار/ (واجار) يعني السوق، وإذا قلت/ هوجستان/ يعني خوزستان.
والحرف الذي بين الكاف والغين وهو في أول قولك/ كاذر/ لفارسية القصّار أو في أول قولك/ كج/ لفارسية الجصّ.
والحرف الذي بين الخاء والواو في أول قولك/ خرشيد/ لفارسية الشمس، وخرّم/ لفارسية اليوم.
والحرف الذي يشبه الواو في ثاني قولك/ نَوْ/ لفارسية الجديد و/ بو/ لفارسية الرائحة.
والحرف الذي يشبه الياء في ثاني قولك/ سير/ لفارسية الشبعان، وفي ثاني قولك/ شبر/ لفارسية الأسد.
فذاك أربعون حرفًا تحيط بجميع اللغات، ويخط بكتابتها كل شيء.
وحكى لي النوشجان بن عبد المسيح عن أحمد بن الطيب تلميذ
الكندي أنه لما احتاج إلى استعمال لغات الأمم من الفرس والسريانيين والروم واليونايين وضع لنفسه كتابة اخترع لها أربعين صورة مختلفة الأشكال متباينة الهيآت فكان لا يتعذر عليه كَتْبُ شيء ولا تلاوته وهذه صورة تلك الحروف الأربعين ....
وقال بعض فلاسفة الإسلام: عدد حروف/ أبجد/ هو كعدد منازل القمر، إذ كان كلا العددين ثمانية وعشرين، وهجاء العرب خارج من هذا التمثيل لأن واضعه أخرجه عن هذا النظام فجعله تسعة وعشرين فعارضه معارض من فلاسفة النحويين وقال: إن كان واضع الهجاء قد أخطأ بزيادة ما زاد فليس ذلك بمخرج حروف هجاء العرب عن موازاة أعداد منازل القمر، كما أن في نفس حروف الهجاء ما يوازي أعدادُه أعدادَ الكواكب السبعة لأن الحروف الزوائد هي على عدد البروج، وهي:
الهمزة، والألف، والياء، والواو، والنون، والتاء والهاء، واللام والميم، والسين والياء والكاف.
قال: ولها شبه آخر بمنازل القمر لأن هذه الثمانية والعشرين أربعة عشر هي النصف منها فهي تندغم مع لام التعريف، كما أن في منازل القمر أربعة عشر تكون أبدًا مستترة وتحت الأرض.
وأما الموازي لعدد الكواكب السبعة فنهاية عدد حروف الأسماء لأن غاية حروف الاسم الواحد العربي مع ما يلحقه من الزوائد سبعة نحو: مسحنكلة وما أشبهها.
قال: وذكر الكندي الفيلسوف ما يؤيد قياسي في هذه الحروف وهو أنه قال: إنما جاء الإعراب على ثلاث حركات هي: الرفع، والنصب، والخفض لتصير هذه الحركات بإزاء الحركات الثلاث الطبيعية التي هي حركة من الوسط كحركة النار والهواء، وحركة إلى الوسط كحركة الأرض والماء، وحركة على الوسط كحركة كرة الفلك.
قال: وقد زدت على الكندي زيادة لائقة بما حكاه، وهو أنه ليس في لغة العرب كلمة تتوالى فيها أكثر من ثلاث حركات إلا ما جاء معدولاً نحو/ عُلَبِطٍ/، المعدول عن علابط.
قال: ومن وضع الكتابة العربية لم ينتبه إلى ما يدخل اللبس على الأسماء المتشابهة الحروف فترك الناس مضطرين إلى طلبل الاحتيال في التماس العلامات لها وهم مع ذلك يستدلون على تبيُّن ما يقرءون مما قبله وما بعده نحو.
(يا أيُّها الرجلُ المُرحى)
ينظر إلى ما بعده فإن كان/ مكيَّتَه أو/ سفينتَه فهو (المُزجي)، وإن كان/ عمامتَه أو/ كمَّه/ أو ذيلَه/ فهو (المُرخي)، وإن كان/همّه أو/ غريمَه/ أو/ رأيَه/ فهو (المرجيء).
وقد بين وزن الشعر على ما يعرض في الأشعار من هذا النحو:
أأن تانوا وحموا العس تحدى
يصلح أن يكون (تُحدى) أي يجدوها الركبان، و (تَخدي) من الوخد وهو ضرب من السير، ولو جاء بعد هذا ذكر السبب لكان (تحدي) أي تنقل أخفافها، وكذلك لو جعل مكان (العيس) العنس.
قال: والتصحيف الذي لا يعاب قائله به، ويُمثل للائمة عليه، ما لم تفسد به قاعدة الكلام، ولا يجد المعترض فيه مقالاً، مثل قول القائل:
ما زال وقعُ سيوفِنا ورماحِنافي كل يوم تحايل ورجام
فإنه لم رواه واوٍ (وزحام) لما لحقه بأس.
وسواء عليه من روى في شعر الأعشى:
(كحلقه من أي رياح) أو (من بني رياح)
وكذلك كل ما جرى هذا المجرى من أسماء من لم يشتهر برئاسة وسيادة ولكن في أسماء الناس ما يقع فيه اللبس، حتى لا يحيط بمعرفة الصحيح منه إلا علماء النسب نحو:
/عَيْلان و/ غَيْلان/ و/ ربّان/ و/ زيّان/ و/ عدنان/ و/ عُدْنان/ و/ حيّان/ و/ حنّان/ و/ شيبان/ و/ سيبان/ و/ بشار/ و/ يسار/ و/ عبّاد/ و/ عيّاد/ و/ رباب/ و/ زَيَّات
و/ زياد/ و/ زناد/ ز/ حرام/ و/ حزام/ و/ عباس/ و/ عياش/ و/ خراش/ و/ حبيش/ و/ خنيس/ و/ شريح/ و/ سريج/ و/ زريق/ و/ رزيق/ و/ حُضين/ و/ حُصين/ و/ عفيل/ و/ عُقيل/ و/ خبيب/ و/ حُبيب/ و/ خطيم/ و/ حطيم/ و/ كثير/ و/ كبير/ و/ يزيد/ و/ تزيد/ و/ عيينة/ و/ عتيبة/ و/ عُبيدَة/ و/ عَبيدة/ و/ عبْدة/و/ عَبَدة/ و/ حارثة/ و/ جارية/ و/ حازم/ و/ خازم/ و/ حَرَم/ و/ حَزْم/ و/ بشر/ و/ بسر/ و/ حَجَر/ و/ حُجْر/ و/ حمزة/ و/ جمرة/ و/ عنترة/ و/ عنيزة/و/.
فهذه أسماء قد صحف الناس فيها ختى ألجئوا إلى علم العلماء بها كما صحف العلماء اسم الشاعر الذي ذكره امرؤ القيس في قوله.
عوجا على الطلل المُحيل لعلنانبكي الديار كما بكى ابن خذام
فسألت النسابة أبا الحسين الأصبهاني عنه فقال: رواه الأصمعي/ خذام/ ورواه أبو عبيدة/ جذام/ ورواه راوٍ/ حزام.
وقال أبو عبيدة: وفد علينا وفد من بني جعفر من كلاب فيهم أبو الوثيق فسألناه عنه فقال: قدّرنا علم ذلك بالحضر، ونحن على شك في/جذام/ و/حذام/ قلنا: من هو؟ قال: لا أدري. قلنا: فمتى بكى الديار؟ قال: لا أدري.
قال النسَّابة: هو عندي غير من ذكروا لأنه امرؤ القيس بن حمام بن عبيدة بن هُبل، ابن أخي زهير بن جَنأب بن هُبل الكلبي، ويقال له (عدل الأصرة)، وروى أعرابي من كل له أبياتًا يبكي فيها الديار، وذكر علماء كلب أنه كان يغزو مع مهلهل وإياه عنى مهلهل بقوله:
لما توغّر في الكُلاب هجينُهمهلهلت أثأر جابرًا أو صِنْبِلا
فعلم هذا لم يكن بالبصرة وإنما كان بالسماوة، وعنهم أخذ أهل هذا الأمر.
بسم الله: وحَضرني في هذا الموضع فقر من حكم البلغاء وبدائع الشعراء في تقريظ الخط العربي يزول بها عن النفوس ذات الفضائل ما يداخلها من الضجر ببشاعة التصحيف.
قال عبيد الله بن العباس العلوي: الخط لسانُ اليد.
وقال يحيى بن خالد: الخط صورة روحها البيان، ويدها السرعة، وقدمها التسوية، وجوارحها معرفة الفصُول.
وقال جعفر بن يحيى: الخط سمط الحكمة به تفصَّل شذورها وينتظم منثورها.
وقال سهل بن هرون، وقد نظر إلى خطين: هذا وشي محبوك، وهذا ذهب مسبوك.
وقال أبو العباس: الخطوط رباض العلوم.
وقال خالد الكاتب: الخط حَلْيُ العقول.
وقال الحسن بن رجاء: الخط متنزه الألحاظ ومجتنى الألفاظ.
وقال أبو دلف العجلي: الخط صيغة الكلام، والقلم سائغه، يفرَّع بما أصلَّه العلم.
وقال عبد الله بن طاهر: حسن الخط يناضل عن صاحبه بوضوح الحجة، ويمكّن من درك البُنية.
وقيل: رب خطٍّ ضاق عن العيون، قد ملأ أقطار الظنون.
وقال أسحق: الخط صيغة، والقلم صائغ، واللسان مستنبط، والقلب معدن، والعقل عنصر.
وقال محمد بن غالب (القرشي): ليس شيء أحمل لشاهد بغائب من خط.
ووصف أحمد بن إسماعيل خطًا: فقال: لو كان نباتًا لكان زهرًا، ولو كان معدنًا لكان تبرًا، أو مذاقًا لكان حلوًا، أو شرابًا لكان صفوًا.
وقال مسلم بن الوليد الشاعر: الخط هو المقيِّد على الباقين حُكم الماضين، والمخاطب للعيون بسرائر القلوب على لغات مختلفة، في معانٍ مقصودة، بحروف معلومة من ألف وباء وجيم متباينات الصور، مختلفات الجهات،
لقاحها التفكير، ونتاجها التأليف، تخرس منفردة، وتنطق مزدوجة، بلا أصوات مسموعة، ولا ألسن مشحوذة.
وقال أقليدس: الخط هندسة روحانية، وإن ظهرت بآلة جسمانية، فأخذ النّظام معناه وأفرغه في قالب سواه من الألفاظ فقال:
"الخط أصيل في الروح، وإن ظهر بحواسّ الجسد".
وقال جالينوس: الكتابة كلامٌ ميتٌ يتناوله قارئه كيف يشاء، والخطابة كلام حيّ يمكن صاحبه أن يبصره حتى يبلغ منه غرضه.
وقال أرسطاطاليس: الخطُ العلةُ الصورة، والقلم العلة الآلية، والمدادُ العلةُ الهيولانية، والكاتب العلة الفاعلية، والبلاغة العلة التمامية.
وقال أفلاطون: عقول الرجال ظاهرة على خطوطها، كما أن خطوطها باطنة تحت سن أقلامها.
وللحسن بن وهب في نعت قلم: قد راقني كتابك، وآنقني ما ضمنته من وشي بنانك، وأودعته من نسج أقلامك، ونمقته من طرائف خطوطك، وبدائع حروفك، وغنمته فيه من عجائب سطورك، وغرائب فصولك،
التي هي أحسن من الخيلان في خدود الحسان، وأبهج من العقائص في فروع الأوانس، وأبهى من نقوش الخضاب، في أطراف الغانية الكعاب، وأزهر من اللؤلؤ والمرجان في سموط شَكِلات القيان، وأنور من القلائد في لبّات الخرائد، وأملح من نظم العقود، في جَيْب المغناج الخود، وأزبَن من الدرر والزبرجد في صدور النواعم الخُرّد، فسبحان من أجرى أناملك اللطيفة على تقليب أقلامك المرهفة، في منون القراطيس، وبطون الكراريس، بحافات كأنها ألسن الحيّات حتى أطاعتك، ولعبت لك في الحروف بالمد المستقيم، والمعقّف المستدير، وحُسن الخط والتسطير، والتطبق والتفليق، في الجليل الأنيق، والمليح الدقيق، من المرصّف المدرّع، في أسرع من لمح الطارف، ولمع البرق الخاطف في أتم التمام وأحسن النظام/ وأكمل الكمال، وأجمل الجمال، لا بالمختل المموّج، ولا بالناقص المُنَتّج، بحروف مقوّمةٍ مملحة، وعيون مبينة
مفتّحة، تلوح في بقق البياض، كطرائف الأنوار في الرياض، فأنت نسيجُ وحك، ونظيم جوهرك، فبارك الله لك فيما أفادك ومن كل خير زادك.
وقال إبراهيم بن جبلة: زارني عبد الحميد الكاتب وأنا أخط خطًا رديًا فقال لي: أتحب أن يجود خطك؟ قلت: نعم. قال: أَطِلْ جلفة قلمك وأَسْمِنها، وحرّف قعلتك وأيْمنها، ففعلتُ فجاد خطي.
ونظر عبد الله بن طاهر إلى كاتب من كتاب ديوانه بخط خطًا رديئًا فقال: نخشوا هذا عن ديواننا فإنه عليل الخط.
وسئل بعض الكتاب عن الخط متى يستحق أن يوصف بالجودة؟ فقال: إذا اعتدلت أقسامه؛ وطالت ألفُه ولامُه، واستقامت سطوره، وضاهى مسوده حدوره، وتفتَّحت عيونُه، ولم تشتبه راؤه ونونه، وأشرق قرطاسُه وأظلمت أنفاسه، ولم تختلف أجناسه، وأسرع إلى العيون تصوره، وإلى القلوب تثمُّره، وقُدرت فصوله، واندمجت أصوله وتناسب دقيقُه وجليلُه، وخرج عن نمط الورّاقين، وبعد عن تصنع المحررين، وقلم لصاحبه مقام اللبسة والحلية كأنه حينئذ كما قيل:
إذا ما تجلّل قرطاسَهوساوره القلمُ الأرقشُ
تضمّن من خطه حُلهكنقش الدنانير بل أنقش
حروفًا تعيد لعين الكليلنشاطًا ويقرؤها الأخفش
ووصف أحمد بن صالح من جارية خطّاطه آلات كتابتها فقال:
كأن خطَّها أشكالُ صورتها، وكأن مدادُها سوادُ شعرها، وكأن قرطاستها أديمُ وجهها، وكأن قلمها بعضُ أناملها، وكأن بيانها سحرُ مقلتها، وكأن سكينها غنج لحظها، وكأن مقطَّها قلب عاشقها.
كما وصف المحرر الأحول آلات الكاتب فقال:
ليكن الكَرسُف في نهاية السواد، والليقة التي فيها الكُرسف في غاية اللثين والنعومة، لأنها إذا نعِمت أمكن الكاتب أن يشمها رَوْق القلم، ولا يلحقه كلفة ولا إبطاء في الاستمداد، وليتمهد الليقة والكرسف بالملح والكافور ليكون آمن لبخرها، ولتروّح برائحة ذكية، كما قال أحمد بن إسماعيل بن الخصيب.
كأنما النِفْسُ إذا استمدهغاليةٌ مَدُوقَةٌ بعنبر
ووصف واصف دواةٌ فقال: كأن مدادها لُعابُ الليل.
ووصف القرطاس فقال: لا يزال القرطاس أمرد ما لم يكحله ميل الدواة.
ووصف السكين فقال: هو مسنُّ الأقلام يتخذها إذا كلت، وبصقها إذا نَبَتْ وبطلقها وبلمها إذا تشعثت، وأحسن السكاكين ما عَرُض صدره، وأرهف حدَّه، ولم يفضُل عن القبضة نصابُه.
ووصف رجل الدواة فقال:
قرَّبَ البعدَ مركبٌ لدواةمُلْجَمٌ من حليَّه بلجام
فِضَّةٌ تُستضاءُ في آبنوسٍمثل ضوء الإصباح في الأظلام
كخِوانِ الطعام سُهْل للآكلِ ما كان منه صَعْبَ المرام
فهذه جمل كافية من نثر البلغاء في نعت الخط، [فلنأت] بما ورد من نظم الشعراء؛ فمن لطيف ما جاء في ذلك قول أحمد بن إسماعيل:
أضحكتَ قرطاسك عن جَنْةٍأشجارُها من حكمٍ مثمرهْ
مسودة سطحًا ومبيضةأرضًا كمثل الليلة المقمرهْ
وقال أيضًا في نعته:
وإذا نمنمتْ بنانُك خطًامعربًا عن إصابة وسَداد
عجب الناس من بياض معانٍتُجْتَنى من سواد ذاك المداد
وقال أيضًا:
مستوِعٌ قرطاسَه حِكَمًاكالروض زيِّن نبتَه زَهَرُه
وكأنْ أحرفَ خطَّه شجرٌوالشكلُ في أضعافها عمرُه
وقال عبد الله بن المعتز:
فدونكه موشى نمنمتْهوحاكته الأنامل أيِّ حَوْك
بشكل يؤمَن الإشكالُ فيهكأنَّ سطورَه أغصانُ شَوْك
وقال حميد بن أبي سلامة الكوفي:
جاء خطٌ كأنه شعراتٌوَسْطَ خدٍ لم يَسْتلبْهُ عذارُ
أو كنقش الحناء في كف عذراء أباحتك لمحها الأستار
وقال علي بن الجهم:
يا رقعةً جاءتك مثنيِّةًكأنها خدٌّ على خد
بَنْدُ سواد في بياضٍ كماذُرِّ فتيت المسك في الورد
ساهمةُ الأسطر مصروفةٌعن مُلَح الهزلِ إلى الجد
يا كاتبًا أسلمني عَبْثُهإليه حَسْبي منهُ ما عندي
وقال ابن الرومي يصف كتابًا:
مُتَنَطِّق من جلدِهِمُتَخَتِّم في خصره
أبدًا تراه وصدرُهفي بطنه أو ظهرِه
وقال أبو تمام يستدعي المكاتبة من صديق له:
أُجْلُ القَذى عن مقلتي بأسطرٍيكشفن من كرباتِ بالٍ بالي
سودٌ يُبَيِّضْنَ الوجوهَ بمصطفىتلك النوادرِ منك والأمثال
واحثُتْ أناملَك السوابقَ بينَهاحتى تجولَ هناك أيُّ مجال
في بطنِ قرطاسٍ أنيقٍ ضُمَّنتْأحشاؤه غررَ الكلامِ الغالي
إني أعدُّك مَعْقِلاً ما مثلُهُكَهْفٌ ولا جَبَلٌ من الأجبال
وأرى كتابَكَ بالسُّلافةِ مَغْنيًاعَن كُتْبِ غيرْك باللهى والمال
وقال العلوي الأصفهاني يصف كتابًا ورد عليه من صديق له ويستدعي منه المكاتبة:
صَدَفٌ شُقّ عن لآلٍ ودُرِّأم كتابٌ قد فُضَّ عن نظمِ شِعْر
وعذارى برزْنَ لي في حِدادٍأم سُطورٌ زَهَتْ بنَظْمٍ ونَثْر
لا وأُنْسِي وفرحتي بكتابأنا منْه في أنسِ أضحَى وفِطْر
مَا دجا ليلُ وَحْشَتي قَطٌ إلاَّكنتَ لي فيه طالعًا مثلَ بدْرٍ
بحديثٍ يقيم للأنسِ سوقًاوكتابٍ يَكُفُّ لوعةَ صَدري
لا تُؤخِّرْ عَنِّي الجوابَ فَيَوْميمثلُ دهرٍ وساعتي مثلُ شَهْر
بأبي لو قدرْت من فرْطِ شَوْقيكنتُ طيِّ الكتابِ أولَ سَطْر
واستهدى من أحمد بن إسماعيل دفترًا فيه (حدود الغراء) فأهداه إليه وكتب على ظهره:
خُذْهُ فقَدْ سوَّغت منه مشبهًابالرَّوْضِ أو بالبُرْدِ في تفوِيفِه
نظمَتْ كما نُظِمَ السحابُ سُطورُهُوتأنَّقَ الفَراءُ في تأليفه
وشكلتُهُ ونقطتُه فأمنتُ منْتصحيفه ونجوتُ من تحريفه
بستانُ خطٍ غيرَ أنَّ ثمارَهُلا تُجْتَنى إلاَّ بشكلِ حُرُفِه
ووصف شاعر لعاملٍ كتابًا فقال:
إني رأيتُ بخطهحُسنًا يصيدُ به العُقُولا
كمنَمْنَمٍ للوَشْي قَدْسَحَبَ الفِيانَ بِهِ ذُيُولا
أو كالرِّياض بَكى الحيَافيها فأوسَعَها هُمُولا
فتضاحَكَتْ ضَحكَ الخليلَةِحين أبصَرْتِ الخليلا
وتَرَاهُ للمعنى اللطيفمتى أشرْتَ بهِ قَبُولا
لا مُستعيدً مِنْكَ إذْتملي عَليهِ وَلا مَلولا
عَرَفَ المبادِئَ والوُصُولَمن الخَطابَةِ والفُصُولا
وصُنُوفَ تَرْتِيبِ الدعاءوأن يُقصَرَ أو يُطيلا
والهمْزَ والمُدودَ والمقْصورَوالمثَلَ المقُولا
وهذه الفقر التي نثرت في نعت الخط بالنثر والنظم، يليق بمجاورتها ما سار عن البلغاء في نعت الأقلام.
قال أحمد بن عبد الله الأطماسي: العلم راقد في الأفئدة مستيقظ على الأفواه سائر بالأقلام.
وقال العتابي: ببكاء القلم يضحك الخط.
وقال جعفر بن يحيى وقد أبصر خطًا حسنًا: لم أرَ باكيًا أحسن تبسمًا من قلم.
وقال أنس بن أبي شيخ: عبراتُ الأقلام، في صحون الكواغد، أحسن من عبراتل الدموع، على خدود الغواني.
وقال عمرو بن مسمدة: الأقلام مطايا الفطن.
وقال سهل بن هرون: القلم أنف الضمير، إذا رعف أعلن أسراره، وأبان آثاره.
وقال أحمد بن يوسف: القلم لسان البصر، يناجيه بما استتر عن الأسماع.
وقال محمد بن عبد الملك: بالقلم تُزَفُّ بنات الفكر إلى خدور الكتب.
قال الجاحظ: الدواة منهَلٌ، والقلمُ مانحٌ، والكتاب عَطَن.
وقال المأمون: لله در القلم كيف يحوك وشء المملكة.
وقال جالينوس: القلمُ طبيبُ المنطق، فتكلم في وصفه عن طريق صناعته.
وقال الإسكندر: كل شيء تحت العقلَ واللسان لأنهما الحاكمان على كل شيء، والمخبران عن كل أمر والقلم يوجدكهما شكلين، ويريكهما على صورتين.
وقال عبد الحميد الكاتب: القلمُ شجرةٌ ثمرُها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة.
وقال بعض البلغاء: القلم أصم يسمع الشكوى، وأخرسُ يفصح بالدعوى، وجاهل يعلمُ الفحوى.
وقال العتابي: الأقلام مطايا الأذهان.
وقال أيضًا: بريُّ القلم تروى العقول الظلماء.
وقال ابن المقفع: القلم بريدُ القلب، يخبر بالخبر، وينظر بلا نظر.
وقال أحمد بن أبي دؤاد: القلم سفير العقلِ، ورسولُ الفكر، وترجمانُ الذهن.
وقال ثمامة بن أشرس: ما تؤثره الأقلام لا تطمع في دروسه الأيام.
وقال أيضًا: بِنَوْءِ القلم تصوب الحكمة.
وقيل: القلم بريدُ العقل.
وزعم المنجمون أن لَفْظَ القلم في حساب الجُمَّل "نفَّاع".
وتفاخر صاحبُ سيف وصاحبُ قلم فقال صاحبُ القلم: القلم يقتل بلا غرر، والسيف يقتل على خطر، فقال صاحبُ السيف: لكن القلم خادمُ السيف، إن بلغ مراده وإلا فإلى السيف معاده، فتحقق ذلك من قول من قال:
السيفُ أصدقُ أنباءَ من الكتبفي حدِّهِ الحدُّ بين الجد واللعب
وقول الآخر:
تعنو له وزراءُ الملكِ خاضعةً... ... وعادةٌ السيفِ أن يستخدمَ القلما
وقال: القلم أحد اللسانين.
كما قالوا: جودةُ الخط إحدى البلاغتين، كما أن رداءه الخط إحدى الزمانتين.
وقالوا: المختار في صلاح الأقلام أن يُطال السنَّان وبُسمنا، وتُحرَّف القَطَّة وتُيمن، ويفرقّ بين السطور، ويجمعَ بين الحروف.
والوصف الجامع لاستعمال القلم قول مسلم بن الوليد الشاعر، فإنه قال لكاتب له لما تولى جرجان: حرّف قط قلمك ليعلق المداد به، وأرهف جانبيه ليرد ما استودعته إياه إلى مقصده وشقَّ في رأسه شقًا غير غائر لتحبس الاستمداد عليه، ورفع من شعبتيه لتجمعا حواشي تصويره، فإنك إن فعلت ذلك استمد القلم برشفه وقذف المادة إلى صدره، ثم أرسلها من شقيه بمقدار ما احتملت طيَّته فحينئذ يظهر ما سدّاه العقل، وألحمه اللسان، وبلَّته اللهوات، ولفظته الشفاه، ووعته الأسماع، وقبلته القلوب.
بسم الله: لما انتهيت، أدام الله عزك في الرسالة إلى هذا المنتهى، عزمت على قطع المواد عنها، ثم عرضت لي أشياء تليق بما تقدم منها فألحقتها بها مبوبة على سبعة أبواب.
النص من طبعة دار صادر (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع