من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
لاختيار المطايبات والمداعبات أصول
ولاختيار المطايبات والمداعبات وما انخرط في سلكها من الملح والمزح أصول لا يخرج فيها عنها، وفصول لا يخرج بها منها، وقد يستندر الحار المنضج، والبارد المثلج؛ لأن إفراط البرد، يعود به إلى الضد. ولذلك قول أبو نواس:
قل للزّهيريّ إن حدا وشداأقلل وأكثر فأنت مهذار
سخنت من شدة البرودة حتى صرت عندي كأنك النار
لا يعجب السامعون من صفتيكذلك الثلج باردٌ حار
وفي كليلة ودمنة: لا ينبغي اللجاج في إسقاط ذي الهمة والرأي وإزالته؛ فإنه إما شرس الطبيعة كالحية إن وطئت فلم تلسع لم يغتر بها فيعاد لوطئها، وإما سبح الطبع كالصندل البارد، إن أفرط في حكه عاد حاراً مؤذياً.
وقالوا: إنما ملح القرد عند الناس لإفراط قبحه. وقد قال ابن الرومي في الخصيان:
معشراً أشبهوا القرود ولكنخالفوها في خفّة الأرواح
لأن العبد إذا خصي استرخت معاقد عصبه، وحدث في طبعه نشاط في الخدمة؛ فيحصل بين حالين لا يطيق المبالغة فيهما فيضيق صدره، وتثقل روحه. وقد قال أبو تمام:
أمن عمىً نزل الناس الربى فنجواوأنتم نصب سيل القنّة العرم
أم ذاك من هممٍ جاشت وكم صفةحدا إليها غلوّ القوم في الهمم
وكان يقال: من التوقي ترك الإفراط في التوقي، وإنما الموت المحبب والسقم المغيب، أن تقع النادرة فاترة فتخرج عن رتبة الهزل والجد، ودرجة الحر والبرد، فيكون بها جهد الكرب على القلب؛ كما قال أبو بكر الخوارزمي: أثقل من عذاب الفراق، وكتاب الطلاق، وموت الحبيب، وطلعة الرقيب، وقدح اللبلاب في كف المريض، ونظرة الذل إلى البغيض، وأشد من خراج بلا غلة، ودواء بلا علة، وطلعة الموت في عين الكافر، وقد ختم عمره في الكبائر، وأعظم من ليلة المسافر، في عين كانون الآخر، على إكاف يابس، تحت مطر وبرد قارس.
ومن أمثال البغداديين: هو أثقل من مغن وسط، ومن مضحك وسط. وقال ابن الرومي يهجو أحمد بن طيفور:
فقدتك يا بن أبي طافروأطعمت فقدك من شاعر
فلت بسخن ولا باردوما بين ذين سوى الفاتر
وأنت كذاك تغثّي النفوس بغثية الفاتر الخاثر
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع