تجاوز إلى المحتوى

من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

الحاجة إلى الهزل

وهذه النوادر أكرمك الله وإن وقع عليها اسم الهزل، وأسقطت من عين العقل، عند من لا يعلم مواقع الكلم، ولا يفهم مواضع الحكم، فليس ذلك بمروجها، ولا بمبهرجها عند أهل العقول وأولي التحصيل العارفين بمعاقد المعاني، وقواعد المباني، وهل يستندر من المغمورين والمشهورين، ويستظرف من المغفلين والمعقلين، إلا ما خرج عن قدر أشكالهم، وبعد من فكر أمثالهم، وإنما يذكر ما يستظرف، لخروجه عما يعرف.

ومنها ما يدخل في باب الطيب والاستندار، وقد قال الجاحظ: ليس شيء من الكلام يسقط البتة، فسخيف الألفاظ يحتاج إلى سخيف المعاني. وقد قيل: لكل مقام مقال، وقيل لبشار بن برد، كم بين قولك:

أمن طللٍ بالجزع لن يتكلّماوأقفر إلا أن ترى مذمما

في نظائر هذه القصيدة من شعرك، ومن قولك:

لبابة ربّة البيتتبيع الخلّ بالزيت
لها سبع دجاجاتٍوديكٌ حسن الصوت

فقال: إنما القدرة على الشعر أن يوضع الجد والهزل في موضعه، ولبابة هذه جارة لي تنفعني بما تبعث لي من بيض دجاجها، وهذا الشعر أحسن موضعاً عندها من:

قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل

ولما استقرت الخلافة للمعتز بالله شخص إليه أبو العبر من ولد عبد الصمد بن علي فهنأه بالخلافة وتعرض لصلته بالجد، وهجا المستعين كما فعل البحتري في قصيدته التي أولها:

يجانبنا في الحبّ من لا نجانبهويبعد منّا في الهوى من نقاربه
للشاعر البحتري، من قصيدة «يجانبنا في الحب من لا نجانبه»

فلم يقبل عليها، فعمل أبو العبر قصيدة مزدوجة كلها هزل من غير تقويم ولا إعراب منها قوله: أيا أحمد الرقيع، ومن أكلك الرجيع، أتنسى من كان، نصيرك قهرمان، فيأتيك بالسويق، من السوق والدقيق، فصرت الآن في الدار، على رتبة البزار، أما تعلم يا فار، بأن الله يختار، ويعطي غيرك الملك، عزيزاً يركب الفلك.

وفيها ما لا يذكر من حماقات واختلال، وبرد وانحلال، وكلام مرذول، غث مهزول؛ فضحك المعتز منها، وأمر له بألف دينار، فألح على جعفر بن محمود الإسكافي في الاقتضاء، وهو حينئذ وزير المعتز، فألط عليه. فقال له جعفر: عهدي ببني هاشم يأخذون الصلات بشرفهم وعلومهم وجدهم، وأنت تأخذ بالمحال والهزل؛ فأنت عجيب من بينهم!! فقال أبو العبر: صدقت أنا عجيب من بينهم، كما أنت عجيب في أهل إسكاف، كلهم نواصب وأنت من بينهم رافضي، وكان جعفر ينسب إلى ذلك. ثم أنشد أبو العبر قول جميل:

بثينة قالت يا جميل أربتنافقلت كلانا يا بثين مريب
وأريبنا من لا يؤدّي أمانةًومن لا يفي بالعهد حين يغيب

فدفع إليه الألف دينار، واستعفاه أن يعاود مثل هذا.

وكانت لأبي العبر مع موسى بن عبد الملك قصة مثل هذه في أيام المتوكل: رفع إليه كتاباً بأرزاقه وأرزاق جماعة من أهله ليوقع فيه ويختمه؛ فدافعه به موسى مدةً، فوقف له يوماً فلما ركب أنشده:

موسى إلى كم تتبرّدوكم وكم تتردّد
موسى أجزني كتابيبحقّ ربّك الأسود

يريد محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ﵃، والإمامية تزعم أنه إمام وقته، فجزع موسى وسأله كتم ما كان عليه ومعاودة مثله: وأنشد أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري المتوكل قصيدته:

من أيّ ثغرٍ تبتسموبأيّ طرفٍ تحتكم
حسن يضنّ بحسنهوالحسن أشبه بالكرم
للشاعر البحتري، من قصيدة «عن أي ثغر تبتسم»
أفديه من ظلكم الوشاة وإن أساء وإن ظلم

وهي حلوة الروي، مليحة العروض، حسنة الطبع، فكان البحتري فيه كبر وإعجاب. فإذا أنشد، قال: ما لكم لا تعجبون، أما حسن ما تسمعون؟! فقام إليه أبو العنبس الصيمري وقد قال ذلك فقال:

عن أيّ سلح تلتقموبأيّ كفّ تلتطم
ذقن الوليد البحتريّأبي عبادة في الرّحم

أدخلت رأسك في الرحم

فولى البحتري مغضباً، فقال أبو العنبس: وعلمت أنك تنهزم.

فضحك المتوكل حتى فحص برجليه وأمر بالجائزة لأبي العنبس.

وقد يحتاج العاقل المميز، والفاضل المبرز، إلى الهزل كاحتياجه إلى الجد، ويفتقر إلى الجور كافتقاره إلى القصد؛ وعلم الفتى في غير موضعه جهل.

وصحب الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵁ قوماً في سفره فكان يجاريهم على أخلاقهم، ويخالطهم في أحوالهم، وهم لا يعرفونه، فلما دخل مصر حضروا الجامع، فوجدوه يفتي في حلال الله وحرامه، ويقضي في شرائعه وأحكامه، والناس مطرقون لإجلاله، فرآهم فاستدعاهم، فلما انصرفوا سئل عنهم فأنشد:

وأنزلني طول النّوى دار غربةٍإذا شئت لاقيت امرأً لا أشاكله
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «وأنزلني طول النوى دار غربة»
أُحامقه حتى يقال سجيّةولو كان ذا عقل لكنت أعاقله

وقد يخرج الفطن اللبيب، وينتج الطبن الأديب، من الهزل السخيف، غرائب الجد الشريف، فالنار قد تلتظى من ناضر السلم.

ولما قال بشار بن برد:

كأن فؤاده كرة تنزّىحذار البين لو نفع الحذار
جفت عيني عن التغميض حتىكأنّ جفونها عنها قصار
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول وليلتي تزداد طولا»
يروّعه السّرار بكل شيءمخافة أن يكون به السّرار

قيل له: من أين أخذت هذا؟ قال: من قول أشعب الطماع: ما رأيت اثنين يتساران إلا ظننتهم يأمران لي بشيء.

ومر مزيد المديني مزبد المدني بجرة مغطاة، فقال له بعض جيرانه: ما هذا؟ فقال له: يا أحمق، فلم سترناه!! أخذه ابن الرومي، فقال لمن سأله: لم تلزم العمة؟

يأيها السائلي لأُخبرهعني لم لا أزال معتجرا
أستر شيئاً لو كان يمكننيتعريفه السائلين ما سترا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا أيها السائلي لأخبره»

وكان ابن الرومي أقرع الرأس، وقد أخبر بعلة ذلك في قوله:

تعمّمت إحصاناً لرأسي برهةًمن القرّ يوماً والحرور إذا سفع
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تعممت إحصانا لرأسي برهة»
فلما دهى طول التعمّم لّمتيفأزرى بها بعد الأصالة والفرع
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تعممت إحصانا لرأسي برهة»
عزمت على لبس العمامة حيلةًلتستر ما جرّت عليّ من الصّلع
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تعممت إحصانا لرأسي برهة»
فيا لك من جانٍ عليّ جنايةًجعلت إليه من جنايته الفزع
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تعممت إحصانا لرأسي برهة»
وأعجب شيء كان دائي جعلتهدوائي على عمدٍ وأعجب بأن نفع

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من فاتحة الكتاب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.