تجاوز إلى المحتوى

من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

منهج الكتاب

فأجبتك إلى ملتمسك بكتاب كللت نظامه، وثقلت أعلامه، بذهب يروق سبك إبريزه، ويرق حوك تطريزه، من نوادر المتقدمين والمتأخرين، وجواهر العقلاء والمجانين، وغرائب السقاط والفضلاء، وعجائب الأجواد والبخلاء، وطرف الجهال والعلماء، وتحف المغفلين والفهماء، ونتف الفلاسفة والحكماء، وبدائع السؤال والقصاص، وروائع العوام والخواص، وفواكه الأشراف والسفلة، ومنازه الطفيليين والأكلة، وأخبار المخانيث والخصيان، وآثار النساء والصبيان.

وأتيت به على سبيل الاختصار، وطريق الاختيار؛ وجعلته بتنويع الكلام، كالمائدة الجامعة لفنون الطعام؛ إذ همم الناس مفترقة، وأغراضهم غير متفقة، ولا أعلم حقيقة ما تستندره، ولا محض ما تؤثره؛ إذ لا يحيط بذلك إلا علام الغيوب، المطلع على ما في القلوب.

وقد تجنبت أن أهدي إليك، وأورد عليك، ما يخرج به قائله في الدين عن اتباع سبيل المؤمنين، فمن أهل الإلحاد والأهواء، من يسر حسواً في ارتغاء، ويطلب ما يشفى به من دائه، ويضحك خاصة أودائه، ويغر به من ضعفت نحيزته، وهفت غريزته، بألطف ما يمكنه، كمون الأفعوان، في أصول الريحان، إذا قابله بشمه، قتله بسمه.

كما حكى الجاحظ عن الشرقي بن القطامي أن ابن أبي عتيق لقي عائشة ﵂ على بغلة. فقال: إلى أين يا أماه؟ فقالت له: أصلح بين حيين تقاتلا، فقال: عزمت عليك إلا ما رجعت، فما غسلنا أيدينا من يوم الجمل حتى نرجع إلى يوم البغلة.

وهذه حكاية أوردها الشرقي لغله ودغله على وجه النادرة؛ لتحفظ ويضحك منها، ويتعلق بها من ضعف عمله، وقل عزمه؛ فيكون ذلك أنجع وأنفع لما أراد من التعرض لعرض أم المؤمنين ﵂.

ومثل هذا كثير مما لو ذكرته لدخلت فيما أنكرته. فقد قيل: الراوية أحد الشاتمين، كما قيل: السامع أحد القائلين.

وقد قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وقد مر به عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد بن أبي بكر فلم يسلما عليه:

مساء تراب الأرض منها خلقتمافيها المعاد والرجوع إلى الحشر
ولا تعجبا أن ترجعا فتسلّمافما حشي الإنسان شرّاً من الكبر

وقال آخر:

إن كنت لا ترهب ذمّي لماتعرف من صفحي عن الجاهل
للشاعر ابن قنبر المازني، اقرأ القصيدة
فاخش سكوتي إذ أنا منصتفيك لمسموع خنا القائل
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
فسامع السوء شريكٌ لهومطعم المأكول كالآكل
ومن دعا الناس إلى ذمّهذمّوه بالحقّ وبالباطل
للشاعر ابن قنبر المازني، اقرأ القصيدة
مقالة السوء إلى أهلهاأسرع من منحدرٍ سائل
للشاعر ابن قنبر المازني، اقرأ القصيدة

وقد رام ابن قتيبة تسهيل السبيل في مثل هذا، فقال: مهما مر بك من كلام تنفر عنه نفسك، فلا تعرض عنه بوجهك، فالقول منسوب إلى قائله، والفعل عائد إلى فاعله.

قلت: وليت شعري ما اللذة فيما يضحك منه من هو معرض عنه، إلا أن يدخل في حد المستهزئين، وحيز المتلاعبين. نعوذ بالله من الحور بعد الكور.

وأنشد أبو نواس الجماز شعراً من أعابيثه ومجونه كفر فيه، وقال للجماز: أين أنت من أهل الطراز؟ قال: أنا لا أتعرض لمن أعضائي جنده يحرك علي منها ساكناً أو يسكن متحركاً فأهلك.

وقد طرد الجماز أصله في التحرز مما تعلق عليه من شناعة، أو تلزمه فيه بباعة، فقال يمدح:

أقول بيتاً واحداً أكتفيبذكره من دون أبيات
للشاعر الجمّاز، اقرأ القصيدة
إنّ عليّ بن أبي جعفرأكرم أهل الأرض من آت
للشاعر الجمّاز، اقرأ القصيدة

فقد سلم مما كاد يقع فيه أبو الخطاب عمرو بن عامر السعدي، وقد أنشد موسى الهادي:

يا خير من عقدت كفّاه حجزتهوخير من قلّدته أمرها مضر
للشاعر أبو الخطاب البهدلي، اقرأ القصيدة

فانقلبت عيناه في رأسه، واحمر وجهه، وقال: إلا من؟ ويحك! ولم يكن أبو الخطاب استثنى أحداً، وإنما جرى على مذهب الشعراء في تفضيل الممدوح على أهل العصر؛ فلما رأى ما بوجه الهادي من إرادة الإيقاع به قال ارتجالاً:

إلاّ النبيّ رسول الله إنّ لهفخراً وأنت بذاك الفخر تفتخر

فسري عنه ووصله.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من فاتحة الكتاب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.