تجاوز إلى المحتوى

من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من طرف ابن جدار وشعره

وكان ابن جدار كاتب العباس بن أحمد بن طولون بارد المشاهدة، فعاد أبا حفص بن أبي أيوب ابن أخت الوزير، فوافاه وقد أصابته قشعريرة. فقال: ما تجد؟ جعلت فداك! قال: أجدك.

وكان أبو حفص أديباً شاعراً بليغاً ولهاً، وقد رأى ورداً قريباً من أقحوان فقال:

أرى أقحواناتٍ يطفن بناصعٍمن الورد مخضرّ النبات نضيد
للشاعر أبو حفص عمر بن أيوب، اقرأ القصيدة
يميّله ريح الصّبا فكأنهثغور دنت شوقاً للثم خدود
للشاعر أبو حفص عمر بن أيوب، اقرأ القصيدة

وكان ابن جدار ينقل أخبار أبي حفص إلى العباس بن أحمد بن طولون، فصار إليه يوماً فقال: أعزك الله؛ إنما مجلس المدام حرمة أنس، ومسرح لبانة، ومذاد هم، ومرتع لهو، ومهد سرور؛ وإنما توسطته عند من لا يتهم غيبه، وقد بلغني ما تنهيه إلى أميرنا أبي الفضل من أخبار مجالسي. وأنشد:

ولقد قلت للأخلاّء يوماًقول ساعٍ بالنصح لو سمعوه
للشاعر أبو حفص عمر بن أيوب، اقرأ القصيدة
إنّما مجلس المدام بساطٌللمودّات بينهم وضعوه
للشاعر أبو حفص عمر بن أيوب، اقرأ القصيدة
فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوامن نعيمٍ ولذةٍ رفعوه
للشاعر أبو حفص عمر بن أيوب، اقرأ القصيدة

فاعتذر إليه وحلف أنه ما فعل، وقام عن مجلسه. وأنشد:

كم من أخٍ أوجست منه خيفةفأنست بعد وداده بفراقه
للشاعر أبو حفص عمر بن أيوب، اقرأ القصيدة
لم أحمد الأيّام منه خليقةًفتركته مستمتعاً بخلاقه
للشاعر أبو حفص عمر بن أيوب، اقرأ القصيدة

وكان ابن جدار قبل تعلقه بالعباس يتكسب بالشعر ويقنع باليسير، فصار إلى دار إسحاق بن دينار بن عبد الله وامتدحه، فلم يهب له شيئاً؛ فقال فيه:

عجب الناس أن مدحت ابن دينار فلم يجزني على مدحيه
قلت لا تعجبوا فما قدم اللّؤم عجيباً منه ولا منه أخيه
إنّ ديناره أبوه، ومن جاد من الناس لامرىءٍ بأبيه؟

وهو القائل في القلم:

وعاشقٍ تحت رواق الدجىأغرى به الحيرة فقدان
أهيف ممشوق بتحريكهيحلّ عقد السرّ إعلان
يحوك وشياً لم يحك مثلهبلاغةٌ تحكى وبرهان
وربّما أحيا وأهدى الرّدىففيه ماذيٌّ وخطبان
وفيه للناظر أٌعجوبةيكسو عراة وهو عريان
تجري به خمسٌ مطايا لهمختلفات القدّ أقران
له لسانٌ مرهفٌ حدّهمن ريقة الكرسف ريّان
في دقّة المعنى إذا أغرقتللقول في التدقيق أذهان
إذا احتسى كأساً كلون الدّجاحرّك منه الرأس نشوان
كأنّما ينثر من لفظهدرٌّ وياقوتٌ ومرجان
ترى بسيط الفكر في نظمهشخصاً له حدٌّ وجثمان
كأنّما يسحب في إثرهذيلاً من الحكمة سحبان
لولا ما قام منار الهدىولا سما بالملك ديوان

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من طرف مستملحة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.