من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
أبو محجن الثقفي وطرف من أدبه
ولما مات أبو محجن الثقفي وقف رجل على قبره، فقال: رحمك الله أبا محجن! فوالله لقد كنت قليل المراء، جيد الغناء، غير نعاس، ولا عباس، ولا حابس للكاس.
واسم أبي محجن عروة بن حبيب، وكان فارساً شاعراً، وكان مشتهراً بالشراب كثيراً يقول فيه؛ فحده عمر ﵁ مرات، ثم أخرجه إلى العراق، فشرب، فحده سعد بن أبي وقاص وسجنه في قصر العذيب، وكان سعد مريضاً في القصر، وأقام المسلمون في حرب القادسية أياماً، فوجهت الأعاجم قوماً إلى القصر ليأخذوا من فيه، فاحتال أبو محجن حتى ركب فرس سعد من غير علمه فخر فأوقع بهم؛ فرآه سعد، فلما انصرف بالظفر خلى سبيله. وقال: لا أضربك بعدها في الشرب، قال: فإني لا أذوقها أبداً.
ودخل ابن أبي محجن على معاوية فقال له: أبوك الذي يقول؟
إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمةٍتروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفننّي في الفلاة فإننيأخاف إذا ما متّ ألاّ أذوقها
فقال: يا أمير المؤمنين؛ لو شئت لذكرت من شعره ما هو أحسن من هذا وأنشد:
لا تسألي القوم عن مالي وكثرتهوسائلي القوم عن بأسي وعن خلقي
القوم أعلم أني من سراتهمإذا تطيش يد الرّعديدة الفرق
أُعطى السنان غداة الروع حصّتهوعامل الرمح أرويه من العلق
وأطعن الطعنة النّجلاء عن عرضٍوأكتم السرّ فيه ضربة العنق
فقال: لئن كنا أسأنا المقال، لا نسيء الفعال؛ وأمر له بصلة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع