من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
عزة توازن بين شعر الأحوص وكثير
ودخل كثير بن عبد الرحمن على عزة؛ فقالت: ما ينبغي أن نأذن لك في الجلوس. قال ولم ذلك؟ قالت: لأني رأيت الأحوص ألين جانباً عند القوافي منك في شعره، وأضرع خداً للنساء وأنه الذي يقول:
يأيها اللائمي فيها لأصرمهاأكثرت لو كان يغني عنك إكثار
أقصر فلست مطاعاً إذ وشيت بهالا القلب سالٍ ولا في حبّها عار
ويعجبني قوله:
أدور ولولا أن أرى أمّ جعفربأبياتكم ما درت حيث أدور
وما كنت زوّاراً ولكنّ ذا الهوىإذا لم يزر لا بدّ أن سيزور
لقد منعت معروفا أمّ جعفروإني إلى معروفها لفقير
ويعجبني قوله:
كم من دنيٍّ لها قد صرت أتبعهولو صحا القلب عنها كان لي تبعا
لا أستطيع نزوعاً عن محبّتهاأويصنع الحبّ بي فوق الذي صنعا
أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعنيحتى إذا قلت هذا صادقٌ نزعا
وزادني رغبة في الحب أن منعتأشهى إلى المرء من دنياه ما منعا
وقوله:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوىفكن حجراً من يابس الصخر جلمدا
وما العيش إلاّ ما تلذّ وتشتهيوإن لام فيه ذو الشنان وفنّدا
وإني لأهواها وأهوى لقاءهاكما يشتهي الصادي الشراب المبرّدا
علاقة حبٍّ لجّ في سنن الصّبافأبلى وما يزداد إلا تجدّدا
هذان البيتان ألحقهما الضبي وغيره بهذا الموضع من شعر الأحوص، وأنشدهما أبو بكر بن دريد لأعرابي.
فقال لها كثير: والله لقد أجاد فما استجفيت من قولي؟ قالت: فذلك قولك:
وكنت إذا ما جئت أجللن مجلسيوأظهرن مني هيبة لا تجهّما
يحاذرن مني غيرةً قد عرفنهاقديماً فما يضحكن إلاّ تبسّما
تراهنّ إلاّ أن يؤدين نظرةًبمؤخر عينٍ أو يقلّبن معصما
كواظم ما ينطقن إلا محورةرجيعة قول بعد أن تتفهما
وكنّ إذا ما قلن شيئاً يسرّهأسرّ الرضا في نفسه وتجرّما
وقولك:
وددت وبيت الله أنك بكرةهجان وأني مصعب ثم نهرب
كلانا به عرٌّ فمن يرنا يقلعلى حسنها جرباء تعدي وأجرب
نكون لذي مالٍ كثير مغفّلفلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
إذا ما وردا منهلاً صاحب أهلهعلينا فما ننفكّ نجفى ونضرب
ويحك؟! لقد أردت بي الشنعاء، ما وجدت أمنية أوطأ من هذه؟ فخرج من عندها خجلاً.
وكثير إن قبح في هذا فقد ملح في قوله:
فليت قلوصي عند عزّة قيّدتبقيد ضعيفٍ غرّ منها فضلّت
وغودر في الحيّ المقيمين رحلهاوكان لها باغٍ سواي وندّت
وكنت كذي رجلين رجل صحيحةوأخرى رمى فيها الزمان فشلّت
وكنت كذات الظّلع لمّا تحاملتعلى ظلعها بعد العثار استقلّت
أريد ثواءً عندها وأظنّهاإذا ما أطلنا عنده المكث ملّت
وكان كثير على حدة خارطه وجودة شعره أحمق الناس. ودخل عليه نفر من قريش يعودونه وهو عليل ويهزأون به؛ قال بعضهم فقلت له: كيف نجدك؟ قال: بخير. ثم قال: هل سمعتم الناس يقولون شيئاً؟ قلت: نعم سمعتهم يقولون: إنك الدجال. قال: أما لئن قالوا ذلك إني لأجد في عيني اليمنى ضعفاً مذ أيام.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع