تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

تذييل

ورد عليَّ المغرب لعهد السلطان أبي عنان من ملوك بني مرين رجل من مشيخة طنجة يُعْرَف بابن بطوطة، كان قد رحل منذ عشرين سنة قبلها إلى المشرق وتَقَلَّبَ في بلاد العراق واليمن والهند، ودخل مدينة دهلي حاضرة ملك الهند، واتصل بملكها لذلك العهد وهو السلطان محمد شاه، وكان له منه مكان، واستعمله في خطة القضاء بمذهب المالكية في عمله، ثم انقلب إلى المغرب، واتصل بالسلطان أبي عنان وكان يحدث عن شأن رحلته وما رأى من العجائب بممالك الأرض، وأكثر ما كان يحدث عن دولة صاحب الهند ويأتي من أحواله بما يستغفر به السامعون، مثل أن ملك الهند إذا خرج للسفر أحصى أهل مدينته من الرجال والنساء والولدان وفَرَضَ لهم رِزْق ستة أشهر يُدْفَع لهم من عطائه، وأنه عند رجوعه من سفره يدخل في يوم مشهود يبرز فيه الناس كافة إلى صحراء البلد ويطوفون به ويُنْصَب أمامه في ذلك المحفل منجنيقات على الظهر يرمى بها شكائر الدراهم والدنانير على الناس إلى أن يدخل إيوانه.

وأمثال هذه الحكايات، فتناجى الناس في الدولة بتكذيبه ولقيت أنا يومئذٍ في بعض الأيام وزير السلطان فارس بن ودار البعيد الصيت، ففاوَضْتُه في هذا الشأن، ورأيته أَنْكَرَ أخبار ذلك الرجل لما استفاض في الناس من تكذيبه، فقال الوزير فارس: إياك أن تستنكر مثل هذا من أحوال الدول بما أنك لم تَرَهُ فتكون كابن الوزير الناشئ في السجن، وذلك أن وزيرًا اعتقله سلطانه فمكث في السجن سنين ربى فيها ابنه في ذلك المحبس، فلما أدرك وعقل سأل عن اللحمان التي كان يتغذى بها، فإذا قال له أبوه: هذا لحم الغنم، يقول: وما الغنم، فيصفها له أبوه بِشِيَاتِها ونُعُوتِهَا، فيقول: يا أَبَتِ تراها مثل الفأر، فيُنْكِر عليه ويقول: أين الغنم من الفأر، وكذا في لحم البقر والإبل؛ إذ لم يعاين في محبسه إلا الفأر فيحسبها كلها أبناء جنس للفأر، وهذا كثيرًا ما يعتري الناس في الأخبار كما يعتريهم الوسواس في الزيادة عند قصد الإغراب كما قدمناه أول الكتاب، فليرجع الإنسان إلى أصوله، وليكن مهيمنًا على نفسه ومميزًا بين طبيعة الممكن والممتنع بصريح عقله ومستقيم فطرته، فما دخل في نطاق الإمكان قبله، وما خرج عنه رفضه، وليس مرادنا الإمكان العقلي المطلق، فإن نطاقه أوسع شيء فلا يفرض حدًّا بين الواقعات، وإنما مرادنا الإمكان بحسب المادة التي للشيء، فإذا نظرنا أصل الشيء وجنسه وفصله ومقدار عظمه وقوته أجرينا الحكم في نسبة ذلك على أحواله وحكمنا بالامتناع على ما خرج عن نطاقه، وقل ربي زدني علمًا.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.