من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
حكاية الشيخ شهاب الدين الذي تُنْسَب إليه مدينة الجام
يُذْكَر أنه كان صاحب راحة مكثرًا من الشرب، وكان له من الندماء نحو ستين، وكانت لهم عادة أن يجتمعوا يومًا في منزل كل واحد منهم فتدور النوبة على أحدهم بعد شهرين، وبقوا على ذلك مدة ثم إن النوبة وصلت يومًا إلى الشيخ شهاب الدين فعقد النوبة ليلة النوبة وعزم على إصلاح حاله مع ربه، وقال في نفسه: إن قلت لأصحابي: إني قد ثبت قبل اجتماعهم عندي ظنوا ذلك عجزًا عن مؤنتهم فأحضر ما كان يحضر مثله قبل من مأكولات ومشروب وجعل الخمر في الزقاق وحضر أصحابه، فلما أرادوا الشرب فتحوا زقًّا فذاقه أحدهم فوجده حلوًا ثم فتحوا ثانيًا فوجدوه كذلك ثم ثالثًا فوجدوه كذلك، فكلموا الشيخ في ذلك فخرج لهم عن حقيقة أمره وصدقهم سن بكره وعرفهم بتوبته، وقال لهم: والله ما هذا إلا الشراب الذي كنتم تشربونه فيما تقدم فتابوا جميعًا إلى الله تعالى، وبنوا تلك الزاوية وانقطعوا بها لعبادة الله تعالى، وظهر لهذا الشيخ كثير من الكرامات والمكاشفات، ثم سافرنا من الجام إلى مدينة طوس وهي من أكبر بلاد خراسان، وأعظمها بلد الإمام الشهير أبي حامد الغزالي رضي الله عنه وبها قبره، ورحلنا منها إلى مدينة مشهد الرضا وهو علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وهي أيضًا مدينة كبيرة ضخمة كثيرة الفواكه والمياه والأرجاء الطاحنة، وكان بها الطاهر محمد شاه والطاهر عندهم بمعنى النقيب عند أهل مصر والشام والعراق وأهل الهند والسند وتركستان يقولون السيد الأجل، وكان أيضًا بهذا المشهد القاضي الشريف جلال الدين لقيته بأرض الهند والشريف علي وولداه أمير هند ودولة شاه وصحبوني من ترمذ إلى بلاد الهند وكانوا من الفضلاء، والمشهد المكرم عليه قبة عظيمة في داخل زاوية تجاورها مدرسة ومسجد وجميعها مليح البناء مصنوع الحيطان بالقاشاني وعلى القبر دكانة خشب ملبسة بصفائح الفضة وعليه قناديل فضة معلقة.
وعتب باب القبة فضة وعلى بابها ستر حرير مذهب، وهي مبسوطة بأنواع البسط، وإزاء هذا القبر قبر هارون الرشيد أمير المؤمنين رضي الله عنه، وعليه دكانة يضعون عليها الشمعدانات التي يَعْرِفها أهل المغرب بالحسك والمنائر، وإذا دخل الرافضي للزيارة ضَرَبَ قبر الرشيد برجله وسَلَّمَ على الرضا، ثم سافرنا إلى مدينة سرخس وإليها يُنْسَب الشيخ الصالح لقمان السرخسي رضي الله عنه، ثم سافرنا منها إلى مدينة زاوة وهي مدينة الشيخ الصالح قطب الدين حيدر وإليه تُنْسَب طائفة الحيدرية من الفقراء، وهم الذين يجعلون حلق الحديد في أيديهم وأعناقهم وآذانهم ويجعلونها أيضًا في ذكورهم حتى لا يتأتى لهم النكاح، ثم رحلنا منها فوصلنا إلى مدينة نيسابور وهي إحدى المدن الأربع التي هي قواعد خراسان، ويقال لها: دمشق الصغيرة؛ لكثرة فواكهها وبساتينها ومياهها وحُسْنِها، وتخترقها أربعة من الأنهار وأسواقها حسنة متسعة ومسجدها بديع وهو في وسط السوق، ويليه أربع من المدارس يجري بها الماء الغزير، وفيها من الطلبة خَلْق كثير يقرءون القرآن والفقه، وهي من حسان مدارس تلك البلاد، ومدارس خراسان والعراقين ودمشق وبغداد ومصر وإن بلغت غاية من الإتقان والحسن، فكلها تقصر عن المدرسة التي عَمَرَها مولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله المجاهد في سبيل الله، عالِم الملوك واسطة عقد الخلفاء العادلين أبو عنان — وَصَلَ الله سعده ونَصَرَ جُنْدَه — وهي التي عند القصبة من حضرة فاس — حرسها الله تعالى — فإنها لا نظير لها سعة وارتفاعًا ونقش الجص بها لا قدوة لأهل المشرق عليه، ويصنع بنيسابور ثياب الحرير من النخ والكمخاء وغيرها وتحمل منها إلى الهند، وفي هذه المدينة زاوية الشيخ الإمام العالم القطب العابد قطب الدين النيسابوري أحد الوعاظ العلماء الصالحين نزلت عنده فأحسن القرى وأكرم، ورأيت له البراهين والكرامات العجيبة.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع