من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر سلطان ما وراء النهر: حكاية (٣)
ومن فضائل هذا الملك أنه حضرت صلاة العصر يومًا ولم يحضر السلطان، فجاء أحد فتيانه بسجادة ووضعها قبالة المحراب حيث جَرَتْ عادته أن يصلي، وقال للإمام حسام الدين الياغي: إن مولانا يريد أن تنتظره بالصلاة قليلًا ريثما يتوضأ، فقام الإمام المذكور وقال: نماز، ومعناه الصلاة برأي خدا أو برأي طرمشيرين، أي الصلاة لله أو لطرمشيرين، ثم أمر المؤذن بإقامة الصلاة وجاء السلطان وقد صُلِّيَ منها ركعتان فصلى الركعتين الآخرتين حيث انتهى به القيام وذلك في الموضع الذي تكون فيه أنعلة الناس عند باب المسجد وقضى ما فاته وقام إلى الإمام ليصافحه وهو يضحك، وجلس قبالة المحراب والشيخ الإمام إلى جانبه، وأتى إلى جانب الإمام فقال لي: إذا مشيت إلى بلادك فحدِّثْ أن فقيرًا من فقراء الأعاجم يَفْعَلُ هكذا مع سلطان الترك، وكان هذا الشيخ يعظ الناس في كل جمعة ويأمر السلطان بالمعروف وينهاه عن المنكر وعن الظلم ويُغْلِظ عليه القول والسلطان ينصت لكلامه ويبكي، وكان لا يقبل من عطاء السلطان شيئًا، ولم يأكل قط من طعامه ولا لبس من ثيابه، وكان هذا الشيخ من عباد الله الصالحين، وكنت كثيرًا ما أرى عليه قباء قطن مبطنًا بالقطن محشوًّا به وقد بلي وتمزَّق وعلى رأسه قلنسوة لبد يساوي مثلها قيراطًا ولا عمامة عليه، فقلت له في بعض الأيام: يا سيدي ما هذا القباء الذي أنت لابسه، إنه ليس بجيد، فقال لي: يا ولدي ليس هذا القباء لي وإنما هو لابنتي، فرغبت منه أن يأخذ بعض ثيابي فقال لي: عاهدْتُ الله منذ خمسين سنة أن لا أَقْبَلَ من أحد شيئًا، ولو كنت أقبل من أحد لقبلت منك.
ولما عزمت على السفر بعد مقامي عند هذا السلطان أربعة وخمسين يومًا أعطاني السلطان سبعمائة دينار دراهم وفروة سمور تساوي مائة دينار طلبتها منه لأجل البرد، ولمَّا ذَكَرْتُها له أَخَذَ أكمامي وجعل يقبلها بيده تواضعًا منه وفضلًا وحسن خلق، وأعطاني فرسين وجملين ولما أردت وداعه أدركته في أثناء طريقه إلى متصيده وكان اليوم شديد البرد جدًّا، فوالله ما قدرت على أن أنطق بكلمة لشدة البرد، ففهم ذلك وضحك وأعطاني يده وانصرفت، وبعد سنتين من وصولي إلى أرض الهند بلغنا الخبر بأن الملأ من قومه وأمرائه اجتمعوا بأقصى بلاده المجاورة للصين وهنالك معظم عساكره وبايعوا ابن عم له اسمه بوزن أغلي وكل من كان من أبناء الملوك فهم يسمونه أغلي (بضم الهمزة وسكون الغين المعجمة وكسر اللام)، وبوزن (بضم الباء الموحدة وضم الزاي)، وكان مسلمًا إلا أنه فاسد الدين سيئ السيرة، وسبب بيعتهم له وخلعهم لطرمشيرين أن طرمشيرين خالف أحكام جدهم تنكيز اللعين الذي خرب بلاد الإسلام وقد تَقَدَّمَ ذِكْرُه، وكان تنكيز ألف كتابًا في أحكامه يسمى عندهم البساق (بفتح الباء آخر الحروف والسين المهمل وآخره قاف)، وعندهم أنه من خالف أحكام هذا الكتاب فخَلْعُه واجب، ومن جملة أحكامه أنهم يجتمعون يومًا في السنة يسمونه الطوي ومعناه يوم الضيافة، ويأتي أولاد تنكيز والأمراء من أطراف البلاد ويحضر الخواتين وكبار الأجناد، وإن كان سلطانهم قد غير شيئًا من تلك الأحكام يقوم إليه كبراؤهم فيقولون له: غيرت كذا وغيرت كذا وفعلت كذا، وقد وجب خلعك، ويأخذون بيده ويقيمونه عن سرير الملك ويقعدون غيره من أبناء تنكيز، وإن كان أحد الأمراء الكبار أذنب ذنبًا في بلاده حكموا عليه بما يستحقه، وكان السلطان طرمشيرين قد أَبْطَلَ حُكْمَ هذا اليوم ومحا رَسْمَه فأنْكَرُوه عليه أَشَدَّ الإنكار، وأنكروا عليه أيضًا كَوْنَهُ أقام أربع سنين فيما يلي خراسان من بلاده ولم يَصِلْ إلى الجهة التي توالي الصين.
والعادة أن الملك يقصد تلك الجهة في كل سنة فيختبر أحوالها وحالَ الجند بها؛ لأن أصل ملكهم منها ودار الملك هي مدينة المالق، فلما بايعوا بوزن أتى في عسكر عظيم وخاف طرمشيرين على نفسه من أمرائه ولم يأمنهم فركب في خمسة عشر فارسًا يريد بلاد غزنة وهي من عمالته، وواليها كبير أمرائه وصاحب سره برنطية وهذا الأمير محب في الإسلام والمسلمين قد عمر في عمالته نحو أربعين زاوية فيها الطعام للوارد والصادر وتحت يده العساكر العظيمة، ولم أَرَ قط فيمن رأيته من الآدميين بجميع بلاد الدنيا أعظم خلقة منه، فلما عبر نهر جيحون وقصد طريق بلخ رآه بعض الأتراك من أصحاب ينقى ابن أخيه كبك وكان السلطان طرمشيرين المذكور قتل أخاه كبك المذكور بقي ابنه ينقي ببلخ، فلما أعلمه التركي بخبره قال: ما فر إلا لأمر حدث عليه، فركب في أصحابه وقبض عليه وسجنه ووصل بوزن إلى سمرقند وبخارى فبايعه الناس وجاءه ينقي بطرمشيرين فيُذْكَر أنه لما وصل إلى نسف بخارج سمرقند قُتِلَ هنالك ودُفِنَ بها، وخدم تربته الشيخ شمس الدين كردن بريدا، وقيل: إنه لم يقتل كما سنذكره، وكردن (بكاف معقودة وراء مسكن ودال مهمل مفتوح ونون) معناه العنق، وبريدا (بضم الباء الموحدة وكسر الراء وياء مد ودال مهمل) معناه المقطوع، ويسمى بذلك لضربة كانت في عنقه وقد رأيته بأرض الهند ويقع ذكره فيما بعد، ولما ملك بوزن هرب ابن السلطان طرمشيرين وهو بشاي أغل (أغلي) وأخته وزوجها فيروز إلى ملك الهند فعظمهم وأنزلهم منزلة علية بسبب ما كان بينه وبين طرمشيرين من الود والمكاتبة والمهاداة وكان يخاطبه بالأخ.
ثم بعد ذلك أتى رجل من أرض السند وادعى أنه طرمشيرين واختلف الناس فيه فسمع بذلك عماد الملك سرتيز غلام ملك الهند ووالي بلاد السند ويسمى ملك عرض، وهو الذي تُعْرَض بين يديه عساكر الهند وإليه أَمْرها، ومقره بملتان قاعدة السند، فبعث إليه بعض الأتراك العارفين به فعادوا إليه وأخبروه أنه هو طرمشيرين حقًّا فأمر له بالسراجة وهي إفراج فضرب خارج المدينة ورتب له ما يرتب لمثله وخرج لاستقباله، وتَرَجَّلَ له وسَلَّمَ عليه وأتى في خدمته إلى السراجة، فدخلها راكبًا كعادة الملوك ولم يشك أحد أنه هو، وبعث إلى ملك الهند بخبره فبعث إليه الأمراء يستقبلونه بالضيافات، وكان في خدمة ملك الهند حكيم ممن خدم طرمشيرين فيما تقدم وهو كبير الحكماء بالهند، فقال للملك: أنا أتوجه إليه وأعرف حقيقة أمره، فإني كنت عالجت له دملًا تحت ركبته وبقي أثره وبه أعرفه، فأتى إليه ذلك الحكيم واستقبله مع الأمراء ودخل عليه ولازمه لسابقته عنده وأخذ يغمز رجليه وكشف عن الأثر فشتمه وقال له: تريد أن تنظر إلى الدمل الذي عالجته ها هو ذا، وأراه أثره فتحقق أنه هو، وعاد إلى ملك الهند فأعلمه بذلك، ثم إن الوزير خواجة جهان أحمد بن إياس وكبير الأمراء قطلو خان معلم السلطان أيام صغره دخلا على ملك الهند وقالا له: يا خوند عالم هذا السلطان طرمشيرين قد وصل وصح أنه هو وها هنا من قومه نحو أربعين ألفًا وولده وصهره، أرأيت إن اجتمعوا عليه ما يكون من العمل، فوقع هذا الكلام بموقع منه عظيم وأمر أن يؤتى بطرمشيرين معجلًا.
فلما دخل عليه أمر بالخدمة كسائر الواردين ولم يعظم وقال له السلطان باماذركاني وهي شتمة قبيحة، كيف تَكْذِب وتقول أنك طرمشيرين، وطرمشيرين قد قُتِلَ وهذا خادم تربته عندنا، والله لولا المعرة لقتلتك ولكن أعطوه خمسة آلاف دينار واذهبوا به إلى دار بشاي أغلي وأخته ولدي طرمشيرين وقولوا لهم: إن هذا الكاذب يزعم أنه والدكم، فدخل عليهم فعرفوه وبات عندهم والحراس يحرسونه وأخرج بالغد وخافوا أن يهلكوا بسببه فأنكروه، ونفي عن بلاد الهند والسند فسلك طريق كبج ومكران، وأهل البلاد يكرمونه ويضيفونه ويهادونه ووصل إلى شيراز فأكرمه سلطانها أبو إسحاق وأجرى له كفايته، ولما دخلت عند وصولي من الهند إلى مدينة شيراز ذكر لي أنه باق بها وأردت لقاءه ولم أفعل؛ لأنه كان في دار لا يدخل إليه أحد إلا بإذن من السلطان أبي إسحاق، فخفت مما يتوقع بسبب ذلك، ثم ندمت على عدم لقائه.
(رجع الحديث إلى بوزن)، وذلك أنه لما ملك ضيق على المسلمين وظلم الرعية وأباح للنصارى واليهود عمارة كنائسهم فضَجَّ المسلمون من ذلك وتربصوا به الدوائر، واتصل خبره بخليل ابن السلطان اليسور المهزوم علي خراسان فقصد ملك هراة وهو السلطان حسين ابن السلطان غياث الدين الغوري، فأعلمه بما كان في نفسه وسأل منه الإعانة بالعساكر والمال على أن يشاطره الملك إذا استقام له، فبعث معه الملك حسين عسكرًا عظيمًا وبين هراة وترمذ تسعة أيام، فلما سمع أمراء السلطان بقدوم خليل تلقوه بالسمع والطاعة والرغبة في جهاد العدو، وكان أول قادم عليه علاء الملك خداوند زاده صاحب ترمذ، وهو أمير كبير شريف حسيني النسب، فأتاه في أربعة آلاف من المسلمين فسُرَّ به ووَلَّاهُ وزارته وفوض إليه أَمْرَه وكان من الأبطال، وجاء الأُمَرَاء من كل ناحية واجتمعوا على خليل، والْتَقَى مع بوزن فمالت العساكر إلى خليل وأسلموا بوزن وأتوا به أسيرًا فقتله خنقًا بأوتار القسي وتلك عادة لهم أنهم لا يقتلون من كان من أبناء الملوك إلا خنقًا، واستقام الملك لخليل وعرض عساكره بسمرقند فكانوا ثمانين ألفًا عليهم وعلى خيلهم الدروع، فصرف العسكر الذي جاء به من هراة وقصد بلاد المالق فقدم التتر على أنفسهم واحدًا منهم وألقوه على مسيرة ثلاث من المالق بمقربة من أطراز (طراز)، وحمي القتال وصبر الفريقان فحمل الأمير خداوند زاده وزيره في عشرين ألفًا من المسلمين حملة لم يثبت لها التتر فانهزموا واشتد فيهم القتل، وأقام خليل بالمالق ثلاثًا وخرج إلى استئصال من بقي من التتر فأذعنوا له بالطاعة، وجاز إلى تخوم الخطا والصين وفتح مدينة قراقرم ومدينة بش بالغ وبعث إليه سلطان الخطا بالعساكر، ثم وقع بينهما الصلح، وعظم أمر خليل وهابته الملوك وأظهر العدل ورتب العساكر بالمالق وترك بها وزيره خداوند زاده وانصرف إلى سمرقند وبخارى.
ثم إن الترك أرادوا الفتنة فسعوا إلى خليل بوزيره المذكور وزعموا أنه يريد الثورة ويقول: إنه أحق بالملك لقرابته من النبي صلى الله عليه وسلم وكرمه وشجاعته، فبعث واليًا إلى المالق عوضًا عنه، وأَمَرَهُ أن يقدم عليه في نفر يسير من أصحابه، فلما قَدِمَ عليه قَتَلَهُ عند وصوله من غير تثبُّت فكان ذلك سَبَبَ خراب مُلْكِه، وكان خليل لما عظم أمره بغى على صاحب هراة الذي أورثه الملك وجهزه بالعساكر والمال فكتب إليه أن يخطب في بلاده باسمه ويضرب الدنانير والدراهم على سكته فغاظ ذلك الملك حسينًا وأَنِفَ منه وأجابه بأقبح جواب فتجهز خليل لقتاله فلم توافقه عساكر الإسلام ورأوه باغيًا عليه، وبلغ خبره إلى الملك حسين فجهز العساكر مع ابن عمه ملك ورنا، والْتَقَى الجمعان فانهزم خليل وأُتِيَ به إلى الملك حسين أسيرًا، فمَنَّ عليه بالبقاء وجعله في دار وأعطاه جارية وأجرى عليه النفقة، وعلى هذا الحال تَرَكْتُه عنده في أواخر سنة سبع وأربعين عند خروجي من الهند، (ولنعد إلى ما كنا بسبيله)، ولما ودعت السلطان طرمشيرين سافرْتُ إلى مدينة سمرقند، وهي من أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالًا، مبنية على شاطئ وادٍ يُعْرَف بوادي القصارين عليه النواعير تسقي البساتين وعنده يجتمع أهل البلد بعد صلاة العصر للنزهة والتفرج، ولهم عليه مساطب ومجالس يقعدون عليها ودكاكين تباع بها الفاكهة وسائر المأكولات، وكانت على شاطئه قصور عظيمة وعمارة تنبئ عن علو هِمَمِ أهلها فدثر أكثر ذلك، وكذلك المدينة خرب كثير منها ولا سور لها ولا أبواب عليها وفي داخلها البساتين.
وأهل سمرقند لهم مكارم أخلاق ومحبة في الغريب وهم خير من أهل بخارى، وبخارج سمرقند قبر قثم بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عن العباس وعن ابنه وهو المستشهِد حين فتحها، ويخرج أهل سمرقند كل ليلة اثنين وجمعة إلى زيارته، والتَّتَرُ يأتون لزيارته وينذرون له النذور العظيمة ويأتون إليه بالبقر والغنم والدراهم والدنانير، فيصرف ذلك في النفقة على الوارد والصادر ولخدام الزاوية والقبر المبارك، وعليه قبة قائمة على أربع أرجل، ومع كل رجل ساريتان من الرخام منها الخضر والسود والبيض والحمر، وحيطان القبة بالرخام المجزع المنقوش بالذهب وسقفها مصنوع بالرصاص، وعلى القبر خشب الآبنوس المرصع مكسو الأركان بالفضة وفوقه ثلاثة من قناديل الفضة وفرش القبة بالصوف والقطن وخارجها نهر كبير يشق الزاوية التي هنالك، وعلى حافتيه الأشجار ودوالي العنب والياسمين، وبالزاوية مساكن يسكنها الوارد والصادر، ولم يُغَيِّر التتر أيام كفرهم شيئًا من حال هذا الموضع المبارك، بل كانوا يتبركون به لما يَرَوْنَ له من الآيات، وكان الناظرُ في كل حال هذا الضريح المبارك وما يليه حين نزولنا به الأميرَ غياث الدين محمد بن عبد القادر بن عبد العزيز بن يوسف ابن الخليفة المستنصر بالله العباسي، قَدَّمَهُ لذلك السلطان طرمشيرين لما قدم عليه من العراق، وهو الآن عند ملك الهند وسيأتي ذِكْرُه، ولقيت بسمرقند قاضيها المسمى عندهم صدر الجهان، وهو من الفضلاء ذوي المكارم، وسافَرَ إلى بلاد الهند بعد سفري إليها فأدركَتْه منيته بمدينة ملتان قاعدة بلاد السند.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع