تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذِكْر أولية التتر وتخريبهم بخارى وسواها

كان تنكيز خان حدادًا بأرض الخطا، وكان له كَرَم نَفْس وقوة وبسطة في الجسم، وكان يجمع الناس ويطعمهم، ثم صارت له جماعة فقدموه على أنفسهم وغلب على بلده وقوي واشتدت شوكته واستفحل أَمْرُه، فغَلَبَ على مالِكِ الخطا ثم على ملك الصين، وعَظُمَتْ جيوشه وتَغَلَّبَ على بلاد الختن وكاشغر والمالق، وكان جلال الدين سنجر بن خوارزم شاه ملك خوارزم وخراسان وما وراء النهر له قوة عظيمة وشوكة، فهَابَهُ تنكيز وأَحْجَمَ عنه ولم يَتَعَرَّضْ له، فاتفق أن بعث تنكيز تُجَّارًا بأمتعة الصين والخطا من الثياب الحريرية وسواها إلى بلدة أُطرار (بضم الهمزة) وهي آخر عمالة جلال الدين، فبعث إليه عامله عليها مُعْلِمًا بذلك واستأذنه ما يفعل في أَمْرِهم، فكتب إليه يأمره أن يأخذ أموالهم ويُمَثِّل بهم ويقطع أعضاءهم ويردهم إلى بلادهم، لِمَا أراد الله تعالى من شقاء أهل بلاد المشرق ومحنتهم رأيًا قائلًا وتدبيرًا سيئًا مشئومًا، فلما فَعَلَ ذلك تَجَهَّزَ تنكيز بنفسه في عساكر لا تحصى كثرةً برسم غزو بلاد الإسلام، فلما سمع عامل أُطرار بحركته بعث الجواسيس ليأتوه بخبره، فذَكَرَ أن أحدهم دَخَلَ محلة بعض أمراء تنكيز في صورة سائل فلم يَجِدْ من يطعمه ونزل إلى جانب رجل منهم فلم يَرَ عنده زادًا ولا أطعمه شيئًا، فلما أمسى أخرج مصرانًا يابسة عنده فبَلَّها بالماء وفصد فرسه وملاها بدمه وعقدها وشواها بالنار فكانت طعامه، فعاد إلى أطرار فأخبر عاملها بأمرهم وأعلمه أن لا طاقة لأحد بقتالهم، فاستمد مليكه جلال الدين فأمده بستين ألفًا زيادة على من كان عنده من العساكر، فلما وَقَعَ القتال هزمهم تنكيز ودخل مدينة أطرار بالسيف فقتل الرجال وسبى الذراري وأتى جلال الدين بنفسه لمحاربته، فكانت بينهم وقائع لا يُعْلَم في الإسلام مثلها، وآلَ الأمرُ إلى أن تَمَلَّكَ تنكيز ما وراء النهر، وخَرَّبَ بخارى وسمرقند وترمذ وعبر النهر وهو نهر جيحون إلى مدينة بلخ فتَمَلَّكَها، ثم إلى الياميان (الباميان) فتملكها، وأَوْغَلَ في بلاد خراسان وعراق العجم، فثار عليه المسلمون في بلخ وفي ما وراء النهر فكَرَّ عليهم ودخل بلخ بالسيف وتَرَكَها خاوية على عروشها، ثم فَعَلَ مثل ذلك في ترمذ فخربت ولم تعمر بعد، لكنها بُنِيَتْ مدينة على ميلين منها هي التي تسمى اليوم ترمذ، وقتل أهل الياميان (الباميان) وهدمها بأسرها إلا صومعة جامعها، وعفا عن أهل بخارى وسمرقند، ثم عاد بعد ذلك إلى العراق وانتهى أمر التتر حتى دخلوا حضرة الإسلام ودار الخلافة بغداد بالسيف وذبحوا الخليفة المستعصم بالله العباسي رحمه الله.

قال ابن جزي: أخبرنا شيخنا قاضي القضاة أبو البركات ابن الحاج أعزه الله قال: سمعت الخطيب أبا عبد الله بن رشيد يقول: لقيت بمكة نور الدين بن الزجاج من علماء العراق ومعه ابن أخ له فتفاوضنا الحديث فقال لي: هَلَكَ في فتنة التتر بالعراق أربعة وعشرون ألف رجل من أهل العلم، ولم يَبْقَ منهم غيري وغير ذلك — وأشار إلى ابن أخيه.

(رجع)، قال: ونزلنا من بخارى بربضها المعروف بفتح أباد حيث قبر الشيخ العالم العابد الزاهد سيف الدين الباخرزي وكان من كبار الأولياء، وهذه الزاوية المنسوبة لهذا الشيخ حيث نزلنا عظيمة لها أوقاف ضخمة يطعم منها الوارد والصادر وشيخها من ذريته وهو الحاج السياح يحيى الباخرزي، وأضافني هذا الشيخ بداره وجمع وجوه أهل المدينة وقرأ القراء بالأصوات الحسان ووعظ الواعظ وغنى بالتركي والفارسي على طريقته حسنة، ومرت لنا هنالك ليلة بديعة من أعجب الليالي، ولقيت بها الفقيه العالم الفاضل صدر الشريعة وكان قد قدم من هراة وهو من الصلحاء الفضلاء، وزرت ببخارى قبر الإمام العالم أبي عبد الله البخاري مُصَنِّف الجامع الصحيح شيخ المسلمين رضي الله عنه وعليه مكتوب: هذا قبر محمد بن إسماعيل البخاري، وقد صَنَّفَ من الكتب كذا وكذا، وكذلك على قبور علماء بخارى أسماؤهم وأسماء تصانيفهم، وكنت قَيَّدْتُ من ذلك كثيرًا وضاع مني في جملة ما ضاع لي لما سلبني كفار الهند في البحر، ثم سافرنا من بخارى قاصدين معسكر السلطان الصالح المعظم علاء الدين طرمشيرين وسنذكره، فمررنا على نخشب البلدة التي يُنْسَب إليها الشيخ أبو تراب النخشبي، وهي صغيرة تحف بها البساتين والمياه فنزلنا بخارجها بدار لأميرها، وكان عندي جارية قد قاربت الولادة وكنت أردت حملها إلى سمرقند لتلد بها، فاتفق أنها كانت في المحمل فوضع المحمل على الجمل وسافر أصحابنا من الليل وهي معهم والزاد وغيره ومن أسبابي وأقمت أنا حتى أرتحل نهارًا مع بعض من معي فسلكوا طريقًا وسلكت طريقًا سواها، فوصلنا عشية النهار إلى محلة السلطان المذكور وقد جعلنا فنزلنا على بعد من السوق واشترى بعض أصحابنا ما سد جوعتنا وأعار بعض التجار خباء بتنا به تلك الليلة، ومضى أصحابنا من الغد في البحث عن الجمال وباقي الأصحاب فوجدوهم عشيًّا وجاءوا بهم.

وكان السلطان غائبًا عن المحلة في الصيد فاجتمعت بنائبه الأمير تقبغا فأنزلني بقرب مسجده وأعطاني خرقة (خركاه) وهي شبه الخباء وقد ذكرنا صفتها فيما تقدم، فجعلت الجارية في تلك الخرقة فولدت تلك الليلة مولودًا وأخبروني أنه ولد ذكر ولم يكن كذلك، فلما كان بعد العقيقة أخبرني بعض الأصحاب أن المولود بنت، فاستحضرت الجواري فسألتهن فأخبرنني بذلك وكانت هذه البنت مولودة في طالع سعد، فرأيت كل ما يسرني ويرضيني منذ ولدت، وتوفيت بعد وصولي إلى الهند بشهرين وسيُذْكَر ذلك، واجتمعت بهذه المحلة بالشيخ الفقيه العابد مولانا حسام الدين الياغي (بالياء آخر الحروف والغين المعجمة)، ومعناه بالتركية الثائر وهو من أهل أطرار وبالشيخ صهر السلطان.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.