من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذِكْر الانصراف عن القسطنطينية
ولما ظهر لمن كان في صحبة الخاتون من الأتراك أنها على دين أبيها وراغبة في المقام معه طلبوا منها الإذن في العودة إلى بلادهم فأَذِنَتْ لهم وأَعْطَتْهُم عطاء جزيلًا وبعثَتْ معهم من يوصلهم إلى بلادهم أميرًا يسمى ساروجة الصغير في خمسمائة فارس، وبعثت عني فأعطتني ثلاثمائة دينار من ذهبهم وهم يسمونه البربرة، وليس بالطيب، وألفي درهم بندقية وشقة ملف من عمل البنات وهو أجود أنواعه، وعشرة أثواب من حرير وكتان وصوف وفرسين وذلك من عطاء أبيها، وأوصت بي ساروجة وودعتها وانصرفت، وكانت مدة مقامي عندهم شهرًا وستة أيام، وسافرنا صحبة ساروجة فكان يكرمني حتى وصلنا إلى آخر بلادهم حيث تركنا أصحابنا وعرباتنا فركبنا العربات ودخلنا البرية ووصل ساروجة معنا إلى مدينة بايا سلطوق وأقام بها ثلاثًا في الضيافة وانصرفت إلى بلاده وذلك في اشتداد البرد، وكنت ألبس ثلاث فروات وسروالين أحدهما مبطن وفي رجلي خُفٌّ من صوف وفوقه خفٌّ مبطن بثوب كتان وفوقه خفٌّ من البرغالي وهو جلد الفرس مبطَّن بجلد ذئب، وكنت أتوضأ بالماء الحار بمقربة من النار، فما تَقْطُر من الماء قطرة إلا جَمُدَتْ لحينها، وإذا غسلت وجهي يصل الماء إلى لحيتي فيجمد فأحركها فيسقط منها شبه الثلج، والماء الذي ينزل من الأنف يجمد على الشارب، وكنت لا أستطيع الركوب لكثرة ما علي من الثياب حتى يُرْكِبَني أصحابي، ثم وَصَلْتُ إلى مدينة الحاج ترخان حيث فارَقْنا السلطان أوزبك فوجدناه قد رَحَلَ واستقر بحضرة ملكه، فسافرنا على نهر أتل وما يليه من المياه ثلاثًا وهي جامدة، وكنا إذا احتجنا الماء قطعنا قطعًا من الجليد وجعلناه في القدر حتى يصير ماء فنشرب منه ونطبخ به، ووصلنا إلى مدينة السرا (وضبط اسمها بسين مهمل وراء مفتوحة وألف)، وتُعْرَف بسرابركة وهي حضرة السلطان أوزبك ودخلنا على السلطان فسألنا عن كيفية سفرنا وعن ملك الروم ومدينته فأعلمناه وأمر بإجراء النفقة علينا وأنزلنا ومدينة السرا من أحسن المدن متناهية الكبر في بسيط من الأرض، تغص بأهلها كثرة، حسنة الأسواق متسعة الشوارع.
وركبنا يومًا مع بعض كبرائها وغرضنا التطوف عليها ومعرفة مقدارها وكان منزلنا في طرف منها فركبنا منه غدوة فلما وصلنا لآخرها إلا بعد الزوال فصلينا الظهر وأكلنا طعامًا فما وصلنا إلى المنزل إلا عند المغرب ومشينا يومًا في عرضها ذاهبين وراجعين في نصف يوم وذلك في عمارة متصلة الدور لا خراب فيها ولا بساتين وفيها ثلاثة عشر مسجدًا لإقامة الجمعة أحدها للشافعية، وأما المساجد سوى ذلك فكثير جدًّا وفيها طوائف من الناس منهم المغل وهم أهل البلاد والسلاطين وبعضهم مسلمون ومنهم الأص وهم مسلمون ومنهم القفجق والجركس والروس والروم وهم نصارى وكل طائفة تسكن محلة على حدة فيها أسواقها والتجار والغرباء من أهل العراقين ومصر والشام وغيرها ساكنون بمحلة عليها سور احتياطًا على أموال التجار وقصر السلطان بها يسمى ألطون طاش وألطون (بفتح الهمزة وسكون اللام وضم الطاء المهمل وواو مد ونون)، ومعناه الذهب وطاش (بفتح الطاء المهمل وشين معجم) ومعناه حجز، وقاضي هذه الخضرة بدر الدين الأعرج من خيار القضاة وبها من مدرسي الشافعية الفقيه الإمام الفاضل صدر الدين سليمان اللكزي أحد الفضلاء، وبها من المالكية شمس الدين المصري وهو ممن يطعن في ديانته وبها زاوية الصالح الحاج نظام الدين أضافنا بها وأكرمنا وبها زاوية الفقيه الإمام العالم نعمان الدين الخوارزمي رأيته بها وهو من فضلاء المشايخ حسن الأخلاق كريم النفع شديد التواضع شديد السطوة على أهل الدنيا يأتي إليه السلطان أوزبك زائرًا في كل جمعة فلا يستقبله ولا يقوم إليه، ويقعد السلطان بين يديه ويكلمه ألطف كلام ويتواضع له والشيخ بضد ذلك وفعله مع الفقراء والمساكين والواردين خلاف فعله مع السلطان، فإنه يتواضع لهم ويكلمهم بألطف كلام ويكرمهم وأكرمني جزاه الله خيرًا، وبعث إلي بغلام تركي وشاهدت له بركة.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع