من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذِكْر الانصراف عن القسطنطينية: كرامة له
كنت أردت السفر من السرا إلى خوارزم فنهاني عن ذلك وقال لي: أَقِمْ أيامًا، وحينئذ تسافر، فنَازَعَتْنِي النفس ووجدت رفقة كبيرة آخذة في السفر فيهم تُجَّار أَعْرِفُهم، فاتفقت معهم على السفر في صحبتهم وذَكَرْتُ له ذلك فقال لي: لا بد لك من الإقامة، فعزمت على السفر، فأَبَقَ لي غلام أَقَمْتُ بسببه وهذه من الكرامات الظاهرة، ولما كان بعد ثلاثٍ وجد بعضُ أصحابي ذلك الغلام الآبق بمدينة الحاج ترخان فجاء به إلي فحينئذٍ سافرت إلى خوارزم وبينها وبين حضرة السرا صحراء مسيرة أربعين يومًا لا تسافر فيها الخيل لقلة الكلأ، وإنما تجر العربات بها الجمال فسرنا من السرا عشرة أيام فوصلنا إلى مدينة سرا جوق وجوق (بضم الجيم المعقود وواو وقاف)، ومعنى جوق صغير فكأنهم قالوا سرا الصغيرة وهي على شاطئ نهر كبير زخار يقال لهُ أُلُوصو (بضم الهمزة واللام وواو مد وضم الصاد المهمل وواو) ومعناه الماء الكبير، وعليه جسر من قوارب كجسر بغداد، وإلى هذه المدينة انتهى سفرنا بالخيل التي تجر العربات وبعناها بها تجر بحساب أربعة دنانير دراهم للفرس وأقل من ذلك لأجل ضعفها ورخصها بهذه المدينة واكترينا الجمال لجر العربات، وبهذه المدينة زاوية لرجل صالح معمر من الترك يقال له أطا (بفتح الهمزة والطاء المهمل) ومعناه الوالد، أضافنا بها ودعا لنا وأضافنا أيضًا قاضيها ولا أعرف اسمه، ثم سرنا منها ثلاثين يومًا سيرًا جادًّا لا ننزل إلا ساعتين إحداهما عند الضحى والأخرى عند المغرب، وتكون الإقامة قدر ما يطبخون الدوقي ويشربونه وهو يطبخ من غلية واحدة ويكون معهم الخليع من اللحم يجعلونه عليه ويصبون عليه اللبن وكل إنسان إنما ينام أو يأكل في عربته حال السير وكان لي في عربتي ثلاث من الجواري ومن عادة المسافرين في هذه البرية الإسراع لقلة أعشابها والجمال التي تقطعها يهلك معظمها وما يبقى منها لا ينتفع به إلا في سنة أخرى بعد أن يسمن والماء في هذه البرية في مناهل معلومة بعد اليومين والثلاثة وهو ماء المطر والحسيان.
ثم لما سلكنا هذه البرية وقَطَعْنَاها — كما ذكرناه — وَصَلْنَا إلى خوارزم، وهي أكبر مدن الأتراك وأعظمها وأجملها وأضخمها، لها الأسواق المليحة والشوارع الفسيحة والعمارة الكثيرة والمحاسن الأثيرة، وهي ترتجُّ بسكَّانها لكثرتهم وتموج بهم موج البحر، ولقد ركبت بها يومًا ودخلت السوق، فلما توسطْتُه وبلغت منتهى الزحام في موضع يقال له الشهور (بفتح الشين المعجم وإسكان الواو)، لم أستطع أن أجوز ذلك الموضع لكثرة الازدحام، وأَرَدْتُ الرجوع فما أمكنني لكثرة الناس فبقيت متحيرًا، وبعد جهد شديد رجعت، وذَكَرَ لي بعض الناس أن تلك السوق يخف زحامها يوم الجمعة؛ لأنهم يسدون سوق القيسارية وغيرها من الأسواق، فركبت يوم الجمعة وتوجهت إلى المسجد الجامع والمدرسة، وهذه المدينة تحت إمرة السلطان أوزبك، وله فيها أمير كبير يسمى قطلودمور، وهو الذي عَمَرَ هذه المدرسة وما معها من المواضع المضافة، وأما المسجد فعَمَرَتْه زوجته الخاتون الصالحة ترابك وترا (بضم التاء المعلوة وفتح الراء وألف)، وبك (بفتح الباء الموحدة والكاف).
وبخوارزم مارستان له طبيب شامي يُعْرَف بالصهيوني نسبة إلى صهيون من بلاد الشام، ولم أَرَ في بلاد الدنيا أحسن أخلاقًا من أهل خوارزم ولا أكرم نفوسًا ولا أحب في الغرباء، ولهم عادة جميلة في الصلاة لم أَرَهَا لغيرهم، وهي أن المؤذنين بمساجدها يطوف كل واحد منهم على دور جيران مسجده مُعْلِمًا لهم بحضور الصلاة، فمن لم يحضر الصلاة مع الجماعة ضَرَبَه الإمام بمحضر الجماعة، وفي كل مسجد درة معلقة برسم ذلك، ويغرم خمسة دنانير تُنْفَق في مصالح المسجد أو تُطْعَم للفقراء والمساكين، ويذكرون أن هذه العادة عندهم مستمرة على قديم الزمان، وبخارج خوارزم نهر جيحون أحد الأنهار الأربعة التي من الجنة، وهو يَجْمُد في أوان البرد كما يجمد نهر أتل، ويسلك الناس عليه وتبقى مدة جموده خمسة أشهر وربما سلكوا عليه عند أخذه في الذوبان فهلكوا، ويُسَافَر فيه أيام الصيف بالمراكب إلى ترمذ ويَجْلِبُون منها القمح والشعير وهي مسيرة عشر للمنحدر، وبخارج خوارزم زاوية مبنية على تربة الشيخ نجم الدين الكبرى وكان من كبار الصالحين، وفيها الطعام للوارد والصادر، وشيخهم المدرس سيف الدين بن عضبة من كبار أهل خوارزم، وبها أيضًا زاوية شيخها الصالح المجاور جلال الدين السمرقندي من كبار الصالحين أضافنا بها، وبخارجها قبر الإمام العلامة أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري وعليه قبة، وزمخشر قرية على مسافة أربعة أميال من خوارزم، ولما أتيت هذه المدينة نزلت بخارجها، وتَوَجَّهَ بعض أصحابي إلى القاضي الصدر أبي حفص عمر البكري، فبعث إليَّ نائبُه نور الإسلام فسَلَّمَ علي ثم عاد إليه، ثم أتى القاضي في جماعة من أصحابه فسلم عليَّ وهو فتي السن كبير الفعال، وله نائبان أحدهما نور الإسلام المذكور والآخر نور الدين الكرماني من كبار الفقهاء، وهو الشديد في أحكامه القوي في ذات الله تعالى.
ولما حصل الاجتماع بالقاضي قال لي: إن هذه المدينة كثيرة الزحام، ودخولكم نهارًا لا يتأتى، وسيأتي إليكم نور الإسلام لتدخلوا معه من آخر الليل، ففعلنا ذلك ونزلنا بمدرسة جديدة ليس بها أحد، ولما كان بعد صلاة الصبح أتى إلينا القاضي المذكور ومعه من كبار المدينة جماعة منهم مولانا همام الدين، ومولانا زين الدين المقدسي، ومولانا رضي الدين يحيى، ومولانا فضل الله الرضوي، ومولانا جلال الدين العمادي، ومولانا شمس الدين السنجري إمام أميرها، وهم أهل مكارم وفضائل، والغالب على مَذْهَبِهم الاعتزال لكنهم لا يُظْهِرُونه؛ لأن السلطان أوزبك وأميره على هذه المدينة قطلودمور من أهل السنة، وكنت أيام إقامتي بها أصلي الجمعة مع القاضي أبي حفص عمر المذكور بمسجده، فإذا فَرَغَت الصلاة ذَهَبْتُ معه إلى داره وهي قريبة من المسجد، فأَدْخُلُ معه إلى مجلسه وهو من أبدع المجالس، فيه الفرش الحافلة وحيطانه مكسوَّة بالملف، وفيه طيقان كثيرة، وفي كل طاقٍ منها أواني الفضة المموهة بالذهب والأواني العراقية، وكذلك عادة أهل تلك البلاد أن يصنعوا في بيوتهم، ثم يأتي بالطعام الكثير وهو من أهل الرفاهية والمال الكثير والرباع، وهو سلف الأمير قطلودمور متزوج بأخت امرأته واسمها جيجا أغا، وبهذه المدينة جماعة من الوعاظ والمذكرين، أكبرهم مولانا زين الدين المقدسي والخطيب مولانا حسام الدين المشاطي الخطيب المصقع أحد الخطباء الأربعة الذين لم أسمع في الدنيا أحسن منهم.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع