تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر الملك المترهب جرجيس

وهذا الملك وَلَّى المُلْك لابنه وانقطع للعبادة وبنى مانستارًا — كما ذكرناه — خارج المدينة على ساحلها، وكنت يومًا مع الرومي المُعَيَّن للركوب معي؛ فإذا بهذا الملك ماشٍ على قدميه وعليه المسوح وعلى رأسه قلنسوة لبد، وله لحية بيضاء طويلة ووجهه حسن عليه أثر العبادة وخلفه وأمامه جماعة من الرهبان وبيده عكاز وفي عنقه سبحة، فلما رآه الرومي نزل وقال لي: انزل فهذا والد الملك، فلما سلم عليه الرومي سأله عني، ثم وقفت وبعث لي فجئت إليه فأخذ بيدي وقال لذلك الرومي — وكان يَعْرِف اللسان العربي: قل لهذا السراكنو — يعني المسلم — أنا أصافح اليد التي دَخَلَتْ بيت المقدس والرِّجْل التي مَشَتْ داخل الصخرة والكنيسة العظمى التي تُسَمَّى قمامة وبيت لحم، وجعل يده على قدمي ومسح بها وجهه، فعَجِبْتُ من اعتقادهم فيمن دَخَلَ تلك المواضع من غير ملتهم، ثم أخذ بيدي ومشيت معه فسألني عن بيت المقدس وَمَنْ فيه من النصارى وأطال السؤال، ودخلت معه إلى حرم الكنيسة الذي وصفناه آنفًا، ولما قارب الباب الأعظم خرجت جماعة من القسيسين والرهبان للسلام عليه وهو من كبارهم في الرهبانية، ولما رآهم أَرْسَلَ يدي، فقلت له: أريد الدخول معك إلى الكنيسة، فقال للترجمان: قل له: لا بد لداخلها من السجود للصليب الأعظم، فإن هذا مما سَنَّتْهُ الأوائل ولا يمكن خلافه، فتَرَكْتُه ودَخَلَ وحده ولم أَرَهُ بعدها.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.