تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر سلطان ما وراء النهر: حكاية (٢)

ومن أحكام كبك ما ذُكِرَ أن امرأة شَكَتْ له بأحد الأمراء وذَكَرَتْ أنها فقيرة ذات أولاد، وكان لها لبن تقوتهم بثمنه فاغتصبه ذلك الأمير وشربه فقال لها: أنا أوسطه، فإن خرج اللبن من جوفه مضى لسبيله وإلا وسطتك بعده، فقالت المرأة: قد حللته ولا أطلبه بشيء، فأمر به فوسط فخرج اللبن من بطنه، ولنعد لذكر السلطان طرمشيرين، ولما أقمت بالمحلة وهم يسمونها الأرد أيامًا ذهبت يومًا لصلاة الصبح بالمسجد على عادتي، فلما صليت ذكر لي بعض الناس أن السلطان بالمسجد فلما قام عن مصلاه تقدمت للسلام عليه، وقام الشيخ حسن والفقيه حسام الدين الياغي وأعلماه بحالي وقدومي منذ أيام، فقال لي بالتركية: خش ميسن يخشى ميسن قطلوا يوسن، ومعنى خش ميسن: في عافية أنت، ومعنى يخشى ميسن: جيد أنت، ومعنى قطلوا يوسن: مبارك قدومك، وكان عليه في ذلك الحين قبا قدسي أخضر وعلى رأسه شاشية مثله، ثم انصرف إلى مجلسه راجلًا والناس يتعرضون له بالشكايات فيقف لكل مشتك منهم صغيرًا أو كبيرًا ذكرًا أو أنثى، ثم بعث عني فوصلت إليه وهو في خرقة والناس خارجها ميمنة وميسرة، والأمراء منهم على الكراسي وأصحابهم وقوف على رءوسهم وبين أيديهم وسائر الجند قد جلسوا صفوفًا وأمام كل واحد منهم سلاحه، وهم أهل النوبة يقعدون هنالك إلى العصر ويأتي آخرون فيقعدون إلى آخر الليل، وقد صنعت هنالك سقائف من ثياب القطن يكونون بها.

ولما دخلت إلى الملك بداخل الخرقة وجدته جالسًا على كرسي شبه المنبر مكسو بالحرير المزركش بالذهب وداخل الخرقة ملبس بثياب الحرير المذهب والتاج المرصع بالجوهر واليواقيت معلق فوق رأس السلطان بينه وبين رأسه قدر ذراع، والأمراء الكبار على الكراسي عن يمينه ويساره، وأولاد الملوك بأيديهم المذاب بين يديه، وعند باب الخرقة النائب والوزير والحاجب وصاحب العلامة، وهم يسمون آل طمغى وآل (بفتح الهمزة) معناه الأحمر، وطمغى (بفتح الطاء المهمل وسكون الميم والغين المعجم المفتوح) ومعناه العلامة، وقام إلى أربعتهم حين دخولي ودخلوا معي فسلمت عليه وسألني وصاحب العلامة يترجم بيني وبينه عن مكة والمدينة والقدس شرفها الله وعن مدينة الخليل عليه السلام وعن دمشق ومصر والملك الناصر وعن العراقين وملكهما وبلاد الأعاجم، ثم أذن المؤذن بالظهر فانصرفنا، وكنا نحضر معه الصلوات وذلك أيام البرد الشديد المهلك، فكان لا يترك صلاة الصبح والعشاء في الجماعة ويقعد للذكر بالتركيا بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس ويأتي إليه كل من في المسجد فيصافحه ويشد بيده على يده وكذلك يفعلون في صلاة العصر، وكان إذا أوتي بهدية من زبيب أو تمر والتمر عزيز عندهم وهم يتبركون به يعطي منها بيده لكل من في المسجد.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.