تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر سلطان ما وراء النهر: حكاية (٤)

لما مات هذا القاضي بملتان كتب صاحب الخبر بأمره إلى ملك الهند، وأنه قدم برسم بابه فاخترم دون ذلك، فلما بلغ الخبر إلى الملك أَمَرَ أن يُبْعَثَ إلى أولاده عدد من آلاف الدنانير لا أذكره الآن، وأمر أن يعطى لأصحابه ما كان يعطى لهم لو وصلوا معه وهو بقيد الحياة، ولملك الهند في كل بلد من بلاده صاحب الخبر يكتب له بكل ما يجري في ذلك البلد من الأمور وبمن يَرِدُ عليه من الواردين، وإذا أتى الوارد كتبوا من أي البلاد وَرَدَ وكتبوا اسمه ونَعْتَه وثيابه وأصحابه وخيله وخدامه، وهيئته من الجلوس والمأكل وجميع شئونه وتصرفاته، وما يظهر منه من فضيلة أو ضدها، فلا يصل الوارد إلى الملك إلا وهو عارِفٌ بجميع حاله، فتكون كرامته على مقدار ما يستحقه، وسافرنا من سمرقند فاجتزنا ببلدة نسف وإليها يُنْسَب أبو حفص عمر النسفي مؤلف كتاب المنظومة في المسائل الخلافية بين الفقهاء الأربعة رضي الله عنهم، ثم وصلنا إلى مدينة ترمذ التي يُنْسَب إليها الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي مؤلف الجامع الكبير في السنن، وهي مدينة كبيرة حسنة العمارة والأسواق تخترقها الأنهار، وبها البساتين الكثيرة والعنب، والسفرجل بها كثير متناهي الطِّيب، واللحوم بها كثيرة وكذلك الألبان، وأهلها يغسلون رءوسهم في الحمام باللبن عوضًا عن الطفل، ويكون عند كل صاحب حمام أوعية كبار مملوءة لبنًا، فإذا دخل الرجل الحمام أخذ منها في إناء صغير فغسل رأسه وهو يرطب الشعر ويصقله.

وأهل الهند يجعلون في رءوسهم زيت السمسم ويسمونه الشيراج ويغسلون الشعر بعده بالطفل فينعم الجسم ويصقل الشعر ويطيله، وبذلك طالت لحى أهل الهند ومن سكن معهم، وكانت مدينة ترمذ القديمة مبنية على شاطئ جيحون، فلما خربها تنكيز بُنِيَتْ هذه الحديثة على ميلين من النهر، وكان نزولنا بها بزاوية الشيخ الصالح عزيزان من كبار المشايخ وكرمائهم، كثير المال والرباع والبساتين، يُنْفِق على الوارد والصادر من ماله، واجتمعت قبل وصولي إلى هذه المدينة بصاحبها علاء الملك خداوند زاده وكتب لي إليها بالضيافة، فكانت تُحْمَل إلينا أيام مقامنا بها في كل يوم، ولقيت أيضًا قاضيها قوام الدين وهو متوجِّه لرؤية السلطان طرمشيرين وطالِبٌ للإذن له في السفر إلى بلاد الهند، وسيأتي ذِكْر لقائي له بعد ذلك، ولأخويه ضياء الدين وبرهان الدين بملتان وسفرنا جميعًا إلى الهند، وذكر أخويه الآخرين عماد الدين وسيف الدين ولقائي لهما بحضرة ملك الهند وذكر ولديه وقدومهما على ملك الهند بعد أن قتل أبيهما وتزويجهما بنتي الوزير خواجة جهان وما جرى في ذلك كله إن شاء الله تعالى، ثم أجزنا نهر جيحون إلى بلاد خراسان، وسرنا بعد انصرافنا من ترمذ وإجازة الوادي يومًا ونصف يوم في صحراء ورمال لا عمارة بها إلى مدينة بلخ وهي خاوية على عروشها غير عامرة ومن رآها ظنها عامرة لإتقان بنائها، وكانت ضخمة فسيحة ومساجدها ومدارسها باقية الرسوم حتى الآن، ونقوش مبانيها مدخلة بأصبغة اللازورد والناس يَنْسِبون اللازورد إلى خراسان وإنما يُجْلَب من جبال بدخشان التي يُنْسَب إليها الياقوت البدخشي، والعامة يقولون البلخش وسيأتي ذِكْرها إن شاء الله تعالى، وخرب هذه المدينة تنكيز اللعين، وهدم من مسجدها نحو الثلث بسبب كنز ذُكِرَ له أنه تحت سارية من سواريه، وهو من أحسن مساجد الدنيا وأفسحها، ومسجد رباط الفتح بالمغرب يشبهه في عظم سواريه، ومسجد بلخ أجمل منه في سوى ذلك.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.