تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

حكاية هي سبب قتل الفقيه نظام الدين المذكور

كانت الأتراك المجاورون لمدينة هراة الساكنون بالصحراء وملكهم طغيتمور الذي مَرَّ ذِكْره، وهم نحو خمسين ألفًا يخافهم الملك حسين ويهدي لهم الهدايا في كل سنة ويداريهم، وذلك قبل هزيمته للرافضة، وأما بعد هزيمته للرافضة فتَغَلَّبَ عليهم، ومن عادة هؤلاء الأتراك التردد إلى مدينة هراة، وربما شربوا بها الخمر وأتاها بعضهم وهو سكران، فكان نظام الدين يَحُدُّ من وجد منهم سكرانًا، وهؤلاء الأتراك أهل نجدة وبأس، ولا يزالون يضربون على بلاد الهند فيَسْبون ويقتلون، وربما سَبَوْا بعض المسلمات اللاتي يكن بأرض الهند ما بين الكفار، فإذا خرجوا بهن إلى خراسان يطلق نظام الدين المسلمات من أيدي الترك، وعلامة النسوة المسلمات بأرض الهند ترك ثقب الأذن والكافرات آذانهن مثقوبات، فاتفق مرة أن أميرًا من أمراء الترك يسمى تمور الطي سبى امرأة وكلف بها كلفًا شديدًا، فذَكَرتْ أنها مسلمة فانتزعها الفقيه من يده فبلغ ذلك من التركي مبلغًا عظيمًا وركب في آلاف من أصحابه وأغار على خيل هراة وهي في مرعاها بصحراء مرغيس (بدغيس) واحتملوها فلم يتركوا لأهل هراة ما يركبون ولا ما يحلبون، وصعدوا بها إلى جبل هنالك لا يقدر عليهم فيه، ولم يجد السلطان ولا جنده خيلًا يتبعونهم بها، فبعث إليهم رسولًا يَطْلُب منهم رَدَّ ما أخذوه من الماشية والخيل ويُذَكِّرهم العهد الذي بينهم، فأجابوا بأنهم لا يردون ذلك حتى يمكنوا من الفقيه نظام الدين، فقال السلطان: لا سبيل إلى هذا.

وكان الشيخ أبو أحمد الجستي حفيد الشيخ مودود الجستي له بخراسان شأن عظيم وقوله معتبر لديهم، فركب في جماعة خيل من أصحابه ومماليكه فقال: أنا أحمل الفقيه نظام الدين معي إلى الترك ليرضوا بذلك ثم أرده، فكأن الناس مالوا إلى قوله ورأى الفقيه نظام الدين اتفاقهم على ذلك، فركب مع الشيخ أبي أحمد ووصل إلى الترك فقام إليه الأمير تمور الطي، وقال له: أنت أخذت امرأتي مني وضربه بدبوسه فكسر دماغه فخر ميتًا فسقط في أيدي الشيخ أبي أحمد وانصرف من هنالك إلى بلده ورد الترك ما كانوا أخذوه من الخيل والماشية، وبعد مدة قدم ذلك التركي الذي قَتْل الفقيه على مدينة هراة، فلقيه جماعة من أصحاب الفقيه فتقدموا إليه كأنهم مُسَلِّمون عليه وتحت ثيابهم السيوف، فقتلوه وفَرَّ أصحابه، ولما كان بعد هذا بعث الملك حسين ابن عمه ملك ورنا الذي كان رفيق الفقيه نظام الدين في تغيير المنكر رسولًا إلى ملك سجستان، فلما حصل بها بَعَثَ إليه أن يقيم هنالك ولا يعود إليه، فقصد بلاد الهند ولقيته وأنا خارج منها بمدينة سيوستان من السند، وهو أحد الفضلاء، وفي طَبْعه حب الرياسة والصيد والبزاة والخيل والمماليك والأصحاب واللباس الملوكي الفاخر، ومن كان على هذا الترتيب فإنه لا يصلح حاله بأرض الهند، فكان مِنْ أَمْرِه أن ملك الهند ولاه بلدًا صغيرًا، وقَتَلَه به بعض أهل هراة المقيمين بالهند بسبب جارية، وقيل: إن ملك الهند دس عليه من قَتَلَهُ بسعي الملك حسين في ذلك، ولأجله خدم الملك حسين ملك الهند بعد موت ملك ورنا المذكور وهاداه ملك الهند وأعطاه مدينة بكار من بلاد السند ومجباها خمسون ألفًا من دنانير الذهب في كل سنة.

ولنعد إلى ما كنا بسبيله فنقول: سافرنا من هراة إلى مدينة الجام، وهي متوسطة حسنة ذات بساتين وأشجار وعيون كثيرة وأنهار وأكثر شجرها التوت والحرير بها كثير، وهي تُنْسَب إلى الولي العابد الزاهد شهاب الدين أحمد الجامي، وسنذكر حكايته، وحفيده الشيخ أحمد المعروف بزاده الذي قتله ملك الهند، والمدينة الآن لأولاده وهي محررة من قبل السلطان، ولهم بها نعمة وثروة، وذكر لي من أثق به أن السلطان أبا سعيد ملك العراق قدم خراسان مرة ونزل على هذه المدينة وبها زاوية الشيخ فأضافه ضيافة عظيمة وأعطى لكل خباء بمحلته رأس غنم، ولكل أربعة رجال رأس غنم ولكل دابة بالمحلة من فرس وبغل وحمار علف ليلة، فلم يَبْقَ في المحلة حيوان إلا وَصَلَتْه ضيافته.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.