من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر تعذيبه للشيخ شهاب الدين وقتله
وكان الشيخ شهاب الدين ابن شيخ الجام الخراساني، الذي تُنْسَب مدينة الجام بخراسان إلى جده حسبما قصصنا ذلك من كبار المشايخ الصلحاء الفضلاء، وكان يواصل أربعة عشر يومًا، وكان السلطانان قطب الدين وتغلق يعظمانه ويزورانه ويتبركان به، فلمَّا ولي السلطان محمد أراد أن يخدم الشيخ في بعض خدمته، فإن عادته أن يخدم الفقهاء والمشايخ والصلحاء محتجًّا أن الصدر الأول — رضي الله عنهم — لم يكونوا يستعملون إلَّا أهل العلم والصلاح، فامتنع الشيخ شهاب الدين من الخدمة وشافهه السلطان بذلك في مجلسه العام، فأظهر الإبانة والامتناع فغضب السلطان من ذلك وأمر الشيخ الفقيه المعظم ضياء الدين السمناني أن ينتف لحيته، فأبى ضياء الدين من ذلك وقال: لا أفعل هذا فأمر السلطان بنتف لحية كل واحد منهما فنتفت، ونفي ضياء الدين إلى بلاد التلنك، ثمَّ ولَّاه بعد مدة قضاء ورنكل فمات بها، ونفي شهاب الدين إلى دولة آباد فأقام بها سبعة أعوام، ثم بعث عنه فأكرمه وعظمه وجعله على ديوان المستخرج وهو ديوان بقايا العمَّال يستخرجها منهم بالضرب والتنكيل، ثمَّ زاد في تعظيمه وأمر الأمراء أن يأتوا للسلام عليه ويمتثلوا أقواله، ولم يكن أحد في دار السلطان فوقه، ولما انتقل السلطان إلى السكنى على نهر الكنك وبنى هنالك القصر المعروف بسرك دوار — معناه شبه الجنة — وأمر الناس بالبناء هنالك طلب منه الشيخ شهاب الدين أن يأذن له في الإقامة بالحضرة، فأذن له إلى أرض موات على مسافة ستة أميال من دهلي، فحفر بها كهفًا كبيرًا صنع في جوفه البيوت والمخازن والفرن والحمام، وجلب الماء من نهر جون، وعمر تلك الأرض وجمع مالًا كثيرًا من مستغلها؛ لأنها كانت السنون قاحطة وأقام هنالك عامين ونصف عام مدة مغيب السلطان، وكان عبيده يخدمون تلك الأرض نهارًا، ويدخلون الغار ليلًا ويستدونه على أنفسهم وأنعامهم خوف سراق الكفار؛ لأنهم في جبل منيع هنالك، ولما عاد السلطان إلى حَضْرَتِه استقبله الشيخ ولَقِيَه على سبعة أميال منها، فعظمه السلطان وعانقه عند لقائه وعاد إلى غاره.
ثمَّ بعث عنه بعد أيام فامتنع من إتيانه فبعث إليه مخلص الملك النذرباري، وكان من كبراء الملوك فتَلَطَّفَ له في القول وحَذَّرَه بَطْش السلطان، فقال له: لا أخدم ظالمًا أبدًا فعاد مخلص الملك إلى السلطان فأخبره بذلك فأمر أن يؤتى به فأتي به فقال له: أنت القائل إني ظالم؟ فقال: نعم، أنت ظالم، ومِنْ ظُلْمِك كذا وكذا، وعَدَّدَ أمورًا؛ منها تخريبه لمدينة دهلي وإخراجه أهلها، فأخذ السلطان سيفه ودفعه لصدر الجهان، وقال: يُثْبِت هذا أني ظالم واقطع عنقي بهذا السيف، فقال له شهاب الدين ومن يريد أن يشهد بذلك فيقتل؟ ولكن أنت تَعْرِف ظُلْم نفسك.
وأَمَرَ بتسليمه للملك نكبية رأس الدويدارية فقيده بأربعة قيود وغل يديه، وأقام كذلك أربعة عشر يومًا مواصلًا لا يأكل ولا يشرب، وفي كل يوم منها يؤتى به إلى المشور ويجمع الفقهاء والمشايخ ويقولون له: ارجع عن قولك، فيقول: لا أرجع عنه وأريد أن أكون في زمرة الشهداء، فلما كان اليوم الرابع عشر بعث إليه السلطان بطعام مع مخلص الملك، فأبى أن يأكل وقال قد رفع رزقي من الأرض ارجع بطعامك إليه، فلما أخبر بذلك السلطان أمر عند ذلك أن يطعم الشيخ خمسة أستار (أساتير) من العذرة، وهي رطلان ونصف من أرطال المغرب، فأخذ ذلك الموكلون بمثل هذه الأمور — وهم طائفة من كفار الهنود — فمدوه على ظهر وفتحوا فمه بالكلبتين وحلوا العذرة بالماء وسَقَوْه ذلك، وفي اليوم بعده أُتِيَ به إلى دار القاضي صدر الجهان، وجُمِعَ الفقهاء والمشايخ ووجوه الأعزة فوعظوه وطلبوا منه أن يرجع عن قوله، فأبى ذلك فضُرِبَت عنقه رحمه الله تعالى.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع