من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر محنتي بالأسر وخلاصي منه، وخلاصي من شدة بُعده على يد ولي من أولياء الله تعالى
وفي بعض تلك الأيام ركبت في جماعة من أصحابي، ودخلنا بستانًا نقيل فيه، وذلك فصل القيظ، فسمعنا الصياح، فركبنا ولحقنا كفارًا أغاروا على قرية من قرى الجلالي فاتبعناهم، فتقرقوا وتفرق أصحابنا في طلبهم، وانفردت في خمسة من أصحابنا، فخرج علينا جملةٌ من الفرسان والرجال من غيضة هنالك؛ ففررنا منهم لكثرتهم، واتبعني نحو عشرة منهم، ثم انقطعوا عني إلا ثلاثة منهم ولا طريق بين يدي، وتلك الأرض كثيرة الحجارة، فنشبت يدا فرسي بين الحجارة، فنزلت عنه واقتلعت يده، وعدت إلى ركوبه، والعادة بالهندان أن يكون مع الإنسان سيفان؛ أحدهما معلق بالسرج ويسمى الركابي والآخر في التركش، فسقط سيفي الركابي من غمده، وكانت حليته ذهبًا، فنزلْتُ فأخذْتُه وتقلَّدْتُه وركبت وهم في أثري، ثم وصلت إلى خندق عظيم، فنزلت ودخلْتُ في جوفه، فكان آخر عهدي بهم، ثم خرجت إلى وادٍ في وسط شعراء ملتفة في وسطها طريق، فمشيت عليه ولا أعرف منهاه، فبينما أنا في ذلك خرج على نحو أربعين رجلًا من الكفار بأيديهم القِسِيُّ، فأحدقوا بي، وخفت أن يرموني رمية رجل واحد، ففررت منهم وكنت غير متدرع، فألقيت بنفسي إلى الأرض، واستأسرت وهم لا يقتلون من فعل ذلك، فأخذوني وسلبوني جميع ما علي غير جبة وقميص وسروال، ودخلوا بي إلى تلك الغابة، فانتهوا بي إلى موضع جلوسهم منها على حوض ماء بين تلك الأشجار، وأتوني بخبز ماش وهو الجلبان، فأكلت منه وشربت من الماء.
وكان معهم مسلمان كلماني بالفارسية، وسألاني عن شأني، فأخبرتهما ببعضه، وكَتَمْتُهما أني من جهة السلطان، فقالا لي: لا بد أن يقتلك هؤلاء أو غيرهم، ولكن هذا مقدمهم، وأشاروا إلى رجل منهم فكَلَّمْتُه بترجمة المسلمين، وتلطَّفْتُ له فوكل بي ثلاثة منهم؛ أحدهم شيخ ومعه ابنه والآخر أسود خبيث، وكلمني أولئك الثلاثة، ففهمت منهم أنهم أمروا بقتلي، واحتملوني عشي النهار إلى كهف، وسلط الله على الأسود منهم حُمَّى مرعدة، فوضع رجليه علي، ونام الشيخ وابنه، فلما أصبح تكلموا فيما بينهم، وأشارا إلي بالنزول معهم إلى الحوض، وفهمت أنهم يريدون قتلي، فكلمت الشيخ، وتلطَّفْتُ إليه فرقَّ لي، وقطعت كمي قميصي، وأعطيته إياهما لكيلا يأخذه أصحابه في إن فررت، ولما كان عند الظهر سمعنا كلامًا عند الحوض، فظنوا أنهم أصحابهم، فأشاروا إلي بالنزول معهم، فنزلنا ووجدنا قومًا آخرين، فأشاروا عليهم أن يذهبوا في صحبتهم فأبوا، وجلس ثلاثتهم أمامي وأنا مواجه لهم، ووضعوا حبل قنب كان معهم بالأرض، وأنا أنظر إليهم وأقول في نفسي بهذا الحبل يربطونني عند القتل، وأقمت كذلك ساعة، ثم جاء ثلاثة من أصحابهم الذين أخذوني، فتكلموا معهم، وفهمت أنهم قالوا لهم لأي شيء ما قتلتموه؟ فأشار الشيخ إلى الأسود كأنه اعتذر بمرضه، وكان أحد هؤلاء الثلاثة شابًّا حسن الوجه، فقال لي: أتريد أن أسرحك؟ فقلت نعم، فقال اذهب، فأخذت الجبة التي كانت علي، فأعطيته إياها، وأعطاني منيرة بالية عنده، وأراني الطريق فذهبت، وخفت أن يبدو لهم فيدركونني، فدخلت غيضة قصب، واختفيت فيها إلى أن غابت الشمس.
ثم خرجت وسلكت الطريق التي أَرَنِيهَا الشاب، فأنضت بي إلى ماء فشربت منه، وسرت إلى ثلث الليل، فوصلت إلى جبل فنمت تحته، فلما أصبحت سلكت الطريق، فوصلت ضحى إلى جبل من الصخر عال فيه شجر أم غيلان والسدر فكنت أجني النبق فآكله حتى أثر الشوك في ذراعي آثارًا هي باقية به حتى الآن، ثم نزلت من ذلك الجبل إلى أرض مزدرعة قطنًا وبها أشجار الخروع وهنالك باين، والباين عندهم بئر متسعة جدًّا مطوية بالحجارة، لها درج ينزل عليها إلي ورد الماء، وبعضها يكون في وسطه وجوانبه القباب من الحجر والسقائف والمجالس، ويتفاخر ملوك البلاد وأمراؤها بعمارتها في الطرقات التي لا ماء بها، وسنذكر بعدما رأيناه منها فيما بعد، ولما وصلت إلى الباين شربت منه، ووجدت عليه شيًّا من عساليج الخردل، قد سقطت لمن غسلها فأكلت منها وادخرت باقيها، ونمت تحت شجرة خروع، فبينما أنا كذلك إذ وَرَدَ الباين نحو أربعين فارسًا مدرعين؛ فدخل بعضهم إلى المزرعة، ثم ذهبوا وطَمَسَ الله أبصارهم دوني، ثم جاء بعدهم نحو خمسين في السلاح، ونزلوا إلى الباين، وأتى أحدهم إلى شجرة إزاء الشجرة التي كنت تحتها فلم يشعر بي، ودخلت إذ ذاك في مزرعة القطن، وأقمت بها بقية نهاري، وأقاموا على الباين يغسلون ثيابهم ويلعبون، فلما كان الليل هدأت أصواتهم، فعلمت أنهم قد مروا أو ناموا، فخرجت حينئذ، واتبعت أثر الخيل والليل مقمر، وسرت حتى انتهيت إلى باين آخر عليه قبة، فنزلت إليه وشربت من مائة، وأكلت من عساليج الخردل التي كانت عندي، ودخلت القبة فوجدتها مملوءة بالعشب مما يجمعه الطير فنمت بها.
وكنت أحس حركة حيوان في تلك العشب أظنه حية، فلا أبالي بها لما بي من الجهد، فلما أصبحت سلكت طريقًا واسعة، تفضي إلى قرية خربة، وسلكت سواها فكانت كمثلها، وأقمت كذلك أيامًا وفي بعضها وصلت إلى أشجار ملتفة بينها حوض ماء وداخلها شبه بيت، وعلى جوانب الحوض نبات الأرض كالنجيل وغيره، فأردت أن أقعد هنالك حتى يبعث الله من يوصلني إلى العمارة، ثم أني وجدت يسير قوة، فنهضت على طريق وجدت بها أثر البقر، ووجدت ثورًا عليه بردعة ومنجل، فإذا تلك الطريق تفضي إلى قرى الكفار، فاتبعت طريقًا أخرى، فأنضت بي إلى قرية خربة، ورأيت بها أسودين عريانين فخفتهما، وأقمت تحت أشجار هنالك، فلما كان الليل دخلت القرية، ووجدت دارًا في بيت من بيوتها شبه خابية كبيرة يصنعونها لاختزان الزرع، وفي أسفلها نقب يسع منه الرجل، فدخلتها ووجدت داخلها مفروشًا بالتبن وفيه حجر جعلت رأسي عليه ونمت، وكان فوقها طائر يرفرف بجناحيه أكثر الليل، وأظنه كان يخاف فاجتمعنا خائفين، وأقمت على تلك الحال سبعة أيام من يوم أسرت وهو يوم السبت، وفي السابع منها وصلت إلى قرية للكفار عامرة وفيها حوض ماء ومنابت خضر، فسألتهم الطعام، فأبوا أن يعطوني، فوجدت حول بئر بها أوراق فجل فأكلته، وجئت القرية فوجدت جماعة كفار لهم طليعة فدعاني طليعتهم فلم أجبه، وقعدت إلى الأرض، فأتى أحدهم بسيف مسلول ورفعه ليضربني به، فلم ألتفت إليه لعظيم ما بي من الجهد، ففتشني فلم يجد عندي شيئًا، فأخذ القميص الذي كنت أعطيت كميه للشيخ الموكل بي.
ولما كان في اليوم الثامن اشتد بي العطش، وعدمت الماء، ووصلت إلى قرية خراب، فلم أجد بها حوضًا، وعادتهم بتلك القرى أن يصنعوا أحواضًا يجتمع به ماء المطر، فيشربون منه جميع السنة، فاتبعت طريقًا فأفضت بي إلى بئر غير مطوية، عليها حبل مصنوع من نبات الأرض، وليس فيه آنية يستقى بها، فربطت خرقة كانت على رأسي في الحبل، وامتصصت ما تعلق بها من الماء فلم يروني، فربطت خفي واستقيت به فلم يروني، فاستقيت به ثيابًا فانقطع الحبل، ووقع الخف في البئر، فربطت الخف الآخر وشربت حتى رويت، ثم قطعته فربطت أعلاه على رجلي بحبل البئر وبخرق وجدتها هنالك، فبينا أنا أربطها وأفكر في حالي؛ إذ لاح لي شخص فنظرت إليه، فإذا رجل أسود اللون بيده إبريق وعكاز وعلى كاهله جراب، فقال لي: سلام عليكم، فقلت له: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقال لي بالفارسية: جيكس (جه كسي) معناه من أنت؟ فقلت له: أنا تائه، فقال لي: وأنا كذلك، ثم ربط إبريقه بحبل كان معه واستقى ماء، فأردت أن أشرب، فقال لي: اصبر، ثم فتح جرابه، فأخرج منه غرفة حمص أسود مقلو مع قليل أرز، فأكلت منه وشربت وتوضأ وصلى ركعتين وتوضأت أنا وصليت، وسألني عن اسمي فقلت: محمد، وسألته عن اسمه فقال لي: القلب الفارح، فتفاءلت بذلك وسُرِرْتُ به، ثم قال لي: بسم الله ترافقني؟ فقلت: نعم، فمشيت معه قليلًا، ثم وجدت فتورًا في أعضائي، ولم أَسْتَطِع النهوض فقعدت، فقال: ما شأنك؟ فقلت له: كنت قادرًا على المشي قبل أن ألقاك، فلما لقيتك عَجَزْتُ، فقال: سبحان الله، اركب فوق عنقي، فقلت له: إنك ضعيف ولا تستطيع ذلك، فقال: يقويني الله لا بذلك من ذلك، فركبت على عنقه، وقال لي: أَكْثِرْ من قراءة: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأكْثَرْتُ من ذلك، وغلبتني عيني، فلم أُفِقْ إلا لسقوطي على الأرض، فاستيقظْتُ ولم أَرَ للرجل أثرًا، وإذا أنا في قرية عامرة، فدخلْتُها فوجدتها لرعية الهنود وحاكمها من المسلمين فأَعْلَمُوه بي فجاء إلي.
فقلت له: ما اسم هذه القرية، فقال لي تاج بوره وبينها وبين مدينة كول؛ حيث أصحابنا فرسخان، وحملني ذلك الحاكم إلى بيته، فأطعمني طعامًا سخنًا واغتسلت، وقال لي: عندي ثوب وعمامة أودعهما عندي رجل عربي مصري من أهل المحلة التي بكول، فقلت له: هاتهما ألبسهما إلى أن أصل إلى المحلة، فأتى بهما فوجدتهما من ثيابي كنت قد وهبتهما لذلك العربي لما قدمنا كول، فطال تعجبي من ذلك، وأفكرت في الرجل الذي حملني على عنقه، فتذكرت ما أخبرني به ولي الله تعالى أبو عبد الله المرشدي حسبما ذكرناه في السفر الأول؛ إذ قال لي: ستدخل أرض الهند، وتلقى بها أخي، ويخلصك من شدة تقع فيها، وتذكرت قوله لما سألته عن اسمه، فقال القلب الفارح، وتفسيره بالفارسية دلشاد، فعلمت أنه هو الذي أخبرني بلقائه، وأنه من الأولياء، ولم يحصل لي من صحبته إلا المقدار الذي ذكر، وأتيت تلك الليلة إلى أصحابي بكول معلمًا لهم بسلامتي، فجاءوا إلي بفرس وثياب واستبشروا بي، ووجدت جواب السلطان قد وصلهم، وبعث بفتى يسمى بسنبل الجامدار عوضًا من كافور المستشهد، وأمرنا أن نتمادى على سفرنا، ووجدتهم أيضًا قد كتبوا للسلطان بما كان من أمري، وتشاءموا بهذه السفرة لما جرى فيها علي وعلى كافور وهم يريدون أن يرجعوا، فلما رأيت تأكيد السلطان في السفر أكدت عليهم وقوي عزمي، فقالوا: ألا ترى ما اتفق في بداية هذه السفرة والسلطان يعذرك، فلنرجع إليه، أو تقيم حتى يصل جوابه، فقلت لهم: لا يمكن المقام، وحيث ما كان أدركنا الجواب، فرحلنا من كول ونزلنا برج بوره، وبه زاوية حسنة، فيها شيخ حسن الصورة والسيرة يُسمَّى محمد العريان؛ لأنه لا يلبس عليه إلَّا ثوبًا من سرته إلى أسفل، وباقي جسده مكشوف، وهو تلميذ الصالح الولي محمد العريان القاطن بقرافة مصر نفع الله به.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع