من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
حكاية هذا الشيخ
وكان من أولياء الله تعالى قائمًا على قدم التجرد يلبس تنورة، وهو ثوب يستر من سرته إلى أسفل، ويُذْكَر أنه كان إذا صلى العشاء الآخرة، أخرج كل ما بقي بالزاوية من طعام وإدام وماء، وفَرَّقَ ذلك على المساكين، ورمى بفتيلة السراج، وأصبح على غير معلوم، وكانت عادته أن يطعم أصحابه عند الصباح خبزًا وفولًا، فكان الخبازون والفوالون يستبقون إلى زاويته فيأخذ منهم مقدار ما يكفي الفقراء، ويقول لمن أخذ منه ذلك: اقعد حتى يأخذ أول ما يفتح به عليه في ذلك اليوم قليلًا أو كثيرًا، ومن حكاياته أنه لما وصل قازان ملك التتر إلى الشام بعساكره وملك دمشق ماعدا قلعتها، وخرج الملك الناصر إلى مدافعته، ووقع اللقاء على مسيرة يومين من دمشق بموضع يقال له قشحب والملك الناصر؛ إذ ذاك حديث السن لم يعهد الوقائع، وكان الشيخ العريان في صحبته، فنزل وأخذ قيدًا فقيد به فرس الملك الناصر؛ لئلا يتزحزح عن اللقاء لحداثة سنه، فيكون ذلك سبب هزيمة المسلمين، فثبت الملك الناصر، وهزم التتر هزيمة شنعاء، قتل منهم فيها كثير، وغرق كثير بما أرسل عليه من المياه، ولم يعد التتر إلى قصد بلاد الإسلام بعدها، وأخبرني الشيخ محمد العريان المذكور — تلميذ هذا الشيخ — أنه حضر هذه الوقيعة وهو حديث السن، ورحلنا من برج بوره، ونزلنا على الماء المعروف بآب سياه، ثم رحلنا إلى مدينة قنوع (وضبط اسمها بكسر القاف وفتح النون وواو ساكن وجيم)، مدينة كبيرة حسنة العمارة حصينة رخيصة الأسعار كثيرة السكر، ومنها يحمل إلى دهلي وعليها سور عظيم وقد تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وكان بها الشيخ معين الدين الباخرزي أضافنا بها وأميرها فيروز البدخشاني من ذرية بهرام جور «جوبين» صاحب كسرى، ويسكن بها جماعة من الصلحاء الفضلاء المعروفين بمكارم الأخلاق يُعْرَفون بأولاد شرف جهان، وكان جدهم قاضي القضاة بدولة آباد وهو من المحسنين المتصدقين، وانتهت الرياسة ببلاد الهند إليه.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع