من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
حكاية له
يُذْكَر أنه عُزِلَ مرة عن القضاة، وكان له أعداء، فادعى أحدهم عند القاضي الذي ولي بعده أن له عشرة آلاف دينار قبله، ولم تكن له بينة، وكان قصده أن يحلفه، فبعث القاضي له فقال لرسوله: بم ادعى علي؟ فقال: بعشرة آلاف دينار، فبعث إلى مجلس القاضي عشرة آلاف وسلمت للمدعي، وبلغ خبره السلطان علاء الدين، وصح عنده بطلان تلك الدعوة، فأعاده إلى القضاء، وأعطاه عشرة آلاف، وأقمنا بهذه المدينة ثلاثًا، ووصلنا فيها جواب السلطان في شأني بأنه إن لم يظهر لفلان أثر، فيتوجه وجيه الملك قاضي دولة آباد عوضًا منه، ثم رحلنا من هذه المدينة، فنزلنا بمنزل هنول، ثم بمنزل وزير بور ثم بمنزل البجالصة، ثم وصلنا إلى مدينة موري (وضبط اسمها بفتح الميم وواو وراء)، وهي صغيرة ولها أسواق حسنة، ولقيت بها الشيخ الصالح المعمر قطب الدين المسمى بحيدر الفرغاني، وكان بحال مرض فدعا لي، وزودني رغيف شعير، وأخبرني أن عمره ينيف على مائة وخمسين، وذكر لي أصحابه أنه يصوم الدهر، ويواصل كثيرًا، ويُكْثِر الاعتكاف، وربما أقام في خلوته أربعين يومًا يقتات فيها بأربعين تمرة في كل يوم واحدة.
وقد رأيت بدهلي الشيخ المسمى برجب البرقعي دخل الخلوة بأربعين تمرة، فأقام بها أربعين يومًا، ثم خرج وفضل معه منها ثلاث عشرة تمرة، ثم رحلنا ووصلنا إلى مدينة مره، وضبط اسمها (بفتح الميم وسكون الراء وهاء)، وهي مدينة كبيرة أكثر سكانها كفار تحت الذمة، وهي حصينة وبها القمح الطيب الذي ليس مثله بسواها، ومنها يحمل إلى دهلي وحبوبه طوال شديدة الصفرة ضخمة، ولم أَرَ قمحًا مثله إلا بأرض الصين، وتُنْسَب هذه المدينة إلى المألوة (بفتح اللام)، وهي قبيلة من قبائل الهنود ضخام الأجسام، عظام الخلق، حسان الصور، لنسائهم الجمال الفائق، وهن مشهورات بطيب الخلوة، ووفور الحظ من اللذة، وكذلك نساء المرهتة ونساء جزيرة ذيبة المهل، ثم سافرنا إلى مدينة علابور (وضبط اسمها بفتح العين ولام وألف وباء موحدة مضمومة وواو وراء)، مدينة صغيرة أكثر سكانها الكفار تحت الذمة، وعلى مسيرة يوم منها سلطان كافر اسمه قتم (بفتح القاف والتاء المعلوة)، وهو سلطان جنبيل (بفتح الجيم وسكون النون وكسر الباء الموحدة وياء مد ولام)، الذي حاصر مدينة كيالير وقتل بعد ذلك.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع