تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

حكاية عجيبة في ضمنها كرامات له

ولما كان يوم دخولي إلى الشيخ رأيت عليه فرجية مرعز فأعجبتني، وقلت في نفسي: ليت الشيخ أعطانيها، فلما دخلت عليه للوداع، قام إلى جانب الغار وجرد الفرجية، وألبسنيها مع طاقية من رأسه ولبس مرقعة، فأخبروني الفقراء أن الشيخ لم تكن عادته أن يلبس تلك الفرجية، وإنما لبسها عند قدومي، وأنه قال لهم هذه الفرجية يطلبها المغربي، ويأخذها منه سلطان كافر، ويعطيها لأخينا برهان الدين الصاغرجي وهي له وبرسمه كانت، فلما أخبرني الفقراء بذلك قلت لهم: قد حصلت لي بركة الشيخ بأن كساني لباسه، وأنا لا أدخل بهذه الفرجية على سلطان كافر ولا مسلم وانصرفت عن الشيخ، فاتفق لي بعد مدة طويلة أني دخلت بلاد الصين، وانتهيت إلى مدينة الخنسا، فافترق مني أصحابي لكثرة الزحام، وكانت الفرجية علي فبينا أنا في بعض الطرق، إذا بالوزير في موكب عظيم، فوقع بصره علي فاستدعاني، وأخذ بيدي وسألني عن مقدمي، ولم يفارقني حتى وصلت إلى دار السلطان معه، فأردت الانفصال فمنعني، وأدخلني على السلطان، فسألني عن سلاطين الإسلام فأجبته، ونظر إلى الفرجية فاستحسنها، فقال لي الوزير جردها، فلم يمكنني خلاف ذلك، فأخذها وأمر لي بعشر خلع وفرس مجهز ونفقة وتغير خاطري لذلك ثم تذكرت قول الشيخ أنه يأخذها سلطان كافر، فطال عجبي من ذلك، ولما كان في السنة الأخرى دخلت دار ملك الصين بخان بالق، فقصدت زاوية الشيخ برهان الدين الصاغرجي، فوجدته يقرأ والفرجية عليه بعينها، فعجبت من ذلك وقلبتها بيدي، فقال لي: لم تقلبها وأنت تَعْرِفها؟ فقلت له: نعم هي التي أخذها لي سلطان الخنسا، فقال لي هذه الفرجية صنعها أخي جلال الدين برسمي، وكتب إلي أن الفرجية تصلك على يد فلان، ثم أخرج لي الكتاب فقرأته وعجبت من صدق يقين الشيخ، وأعلمته بأول الحكاية فقال لي أخي جلال الدين أكبر من ذلك كله هو يتصرف في الكون، وقد انتقل إلى رحمة الله، ثم قال لي: بلغني أنه كان يصلي الصبح كل يوم بمكة، وأنه يحج كل عام؛ لأنه كان يَغِيبُ عن الناس يومي عرفة والعيد فلا يُعْرَف أين ذهب.

ولما وادعت الشيخ جلال الدين سافرت إلى مدينة حنبق (وضبط اسمها بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة وسكون النون وقاف)، وهي من أكبر المدن وأحسنها، يشقها النهر الذي نزل من جبال كامرو، ويسمى النهر الأزرق، ويسافر فيه إلى بنجالة وبلاد اللكنوتي وعليه النواعير والبساتين والقرى يمنة ويسرة كما هي على نيل مصر، وأهلها كفار تحت الذمة، يؤخذ منهم نصف ما يزدرعون ووظائف سوى ذلك، وسافرنا في هذا النهر خمسة عشر يومًا بين القرى والبساتين، فكأنا نمشي في سوق من الأسواق، وفيه من المراكب ما لا يحصى كثرة، وفي كل مركب منها طبل، فإذا التقى المركبان ضرب كل واحد طبله وسلم بعضهم على بعض، وأمر السلطان فخر الدين المذكور ألَّا يؤخذ بذلك النهر من الفقراء نول، وأن يعطى الزاد لمن لا زاد له منهم، وإذا وصل الفقير إلى مدينة أعطي نصف دينار، وبعد خمسة عشر يومًا من سفرنا في النهر — كما ذكرناه — وصلنا إلى مدينة ستر كاوان وستر (بضم السين المهمل والنون وسكون الراء)، وهي المدينة التي قبض أهلها على الفقير شيدا عندما لجأ إليها، ولما وصلناها وجدنا بها جنكًا يريد السفر إلى بلاد الجاوة، وبينهما أربعون يومًا فركبنا فيه.

ووصلنا بعد خمسة عشر يومًا إلى بلاد البرهنكار الذين أفواههم كأفواه الكلاب (وضبطها بفتح الباء الموحدة والراء والنون والكاف وسكون الهاء)، وهذه الطائفة من الهمج لا يرجعون إلى دين الهنود ولا إلى غيره، وسكناهم في بيوت قصب مسقفة بحشيش الأرض على شاطئ البحر، وعندهم من أشجار الموز والفوفل والتنبول كثير، ورجالهم على مثل صورتنا إلا أن أفواههم كأفواه الكلاب، وأما نساؤهم فلسن كذلك ولهن جمال بارع، ورجالهم عرايا لا يستترون إلا أن الواحد منهم يجعل ذكره وأنثييه في جعبة من القصب منقوشة معلقة في بطنه، ويستتر نساؤهم بأوراق الشجر، ومعهم جماعة من المسلمين من أهل بنجالة والجاوة ساكنون في حارة على حدة أخبرونا أنهم يتناكحون كالبهائم لا يستترون بذلك، ويكون للرجل منهم ثلاثون امرأة فما دون ذلك أو فوقه وأنهم لا يزنون، وإذا زنا أحد منهم فحد الرجل أن يصلب حتى يموت، أو يؤتى صاحبه أو عبده فيصلب عوضًا منه ويسرح هو، وحد المرأة أن يأمر السلطان جميع خدامه فينكحونها واحدًا بعد واحد بحضرته حتى تموت، ويرمون بها في البحر، ولأجل ذلك لا يتركون أحدًا من أهل المراكب ينزل إليهم إلا أن كان من المقيمين عندهم، وإنما يبايعون الناس، ويشاورونهم على الساحل، ويسوقون إليهم الماء على الفيلة؛ لأنه بعيد من الساحل، ولا يتركونهم لاستقائه خوفًا على نسائهم؛ لأنهم يطمحن إلى الرجال الحسان، والفيلة كثيرة عندهم ولا يسعها أحد غير سلطانهم، ثم تشترى منهم بالأثواب، ولهم كلام غريب لا يفقهه إلا من ساكنهم وأكثر التردد إليهم، ولما وصلنا إلى ساحلهم أتوا إلينا في قوارب صغار، كل قارب من خشبة واحدة منحوتة، وجاءوا بالموز والأرز والتنبول والفوفل والسمك.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.