تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر وفاة السلطان وولاية ابن أخيه وانصرافي عنه

وفي الخميس الثالث توفي السلطان غياث الدين وشعرت بذلك، فبادرت الدخول إلى المدينة خوف الفتنة، ولقيت ناصر الدين ابن أخيه الوالي بعده خارجًا إلى المحلة، قد وجه عنه إذ ليس للسلطان ولد فطلبني في الرجوع معه فأبيت وأثر ذلك في قلبه، وكان ناصر الدين هذا خديمًا بدهلي قبل أن يملك عمه فلما ملك عمه هرب في زي الفقراء إليه، فكان من القدر ملكه بعده، ولما بويع مدحته الشعراء، فأجزل لهم العطاء، وأول من قام منشدًا القاضي صدر الزمان، فأعطاه خمسمائة دينار وخلعة ثم الوزير المسمى بالقاضي، فأعطاه ألفي دينار دراهم وأعطاني أنا ثلاثمائة دينار وخلعة وبث الصدقات في الفقراء والمساكين، ولما خطب الخطيب أول خطبة خطبها باسمه نثرت عليه الدنانير والدراهم في أطباق الذهب والفضة، وعمل عزاء السلطان غياث الدين.

فكانوا يختمون القرآن على قبره كل يوم، ثم يقرأ العشارون، ثم يؤتى بالطعام فيأكل الناس، ثم يُعْطَوْن الدراهم كل إنسان على قدره، وأقاموا على ذلك أربعين يومًا، ثم يفعلون ذلك في مثل يوم وفاته من كل سنة، وأول ما بدأ به السلطان ناصر الدين أن عزل وزير عمه وطلبه بالأموال وولى الوزارة الملك بدر الدين الذي بعثه عمه إلي وأنا بفتن ليتلقاني فتُوُفِّيَ سريعًا، فولي الوزارة خواجة سرور قائد البحر، وأمر أن يُخاطَب بخواجة جهان كما يخاطب الوزير بدهلي، ومن خاطبه بغير ذلك غرم دنانير معلومة، ثم أن السلطان ناصر الدين قتل ابن عمته المتزوج بنت السلطان غياث الدين وتزوجها بعده، وبلغه أن الملك مسعودًا زاره في محبسه قبل موته فقلته أيضًا وقتل الملك بهادور وكان من الشجعان الكرماء الفضلاء، وأمر لي بجميع ما كان عينه عمه من المراكب برسم الجزائر، ثم أصابتني الحمى القاتلة هنالك فظنت أنها القاضية، وألهمني الله إلى التمر الهندي، وهو هنالك كثير، فأخذت نحو رطل منه وجعلته في الماء ثم شربته، فأسهلني ثلاثة أيام، وعافاني الله من مرضي، فكرهت تلك المدينة، وطلبت الإذن في السفر، فقال لي السلطان: كيف تسافر ولم يبق لأيام السفر إلى الجزائر غير شهر واحد، أقم حتى نعطيك جميع ما أمر لك به خوند عالم فأبيت، وكتب لي إلى فتن لأسافر في أي مركب أردت وعدت إلى فتن، فوجدت ثمانية من المراكب تسافر إلى اليمن، فسافرت في أحدها ولقينا أربعة أجفان، فقاتلتنا يسيرًا ثم انصرفت ووصلنا إلى كولم وكان في بقية مرض، فأقمت بها ثلاثة أشهر، ثم ركبت في مركب بقصد السلطان جمال الدين الهنوري، فخرج علينا الكفار بين هنور وفاكنور.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.