تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر القدم

وأثر القدم الكريمة قدم أبينا آدم صلى الله عليه وسلم في صخرة سوداء مرتفعة بموضع فسيح، وقد غاصت القدم الكريمة في الصخرة حتى عاد موضعها منخفضًا وطولها أحد عشر شبرًا، وأتى إليها أهل الصين قديمًا، فقطعوا من الصخرة موضع الإبهام وما يليه، وجعلوه في كنيسة بمدينة الزيتون، يقصدونها من أقصى البلاد وفي الصخرة، حيث القدم تِسْع حفر منحوتة، يجعل الزوار من الكفار فيها الذهب واليواقيت والجواهر، فترى الفقراء إذا وصلوا مغارة الخضر يتسابقون منها لأخذ ما بالحفر ولم نجد نحن بها إلا يسير حجيرات وذهب أعطيناها الدليل، والعادة أن يقيم الزوار بمغارة الخضر ثلاثة أيام، يأتون فيها إلى القدم غدوة وعشيًا وكذلك فعلنا، ولما تمت الأيام الثلاثة عدنا على طريق ماما، فنزلنا بمغارة شيم وهو شيت ابن آدم عليهما السلام، ثم إلى خور السمك، ثم إلى قرية كرمله (بضم الكاف وسكون الراء وضم الميم)، ثم إلى قرية جبركاوان (بفتح الجيم والباء الموحدة وسكون الراء وفتح الكاف والواو وآخره نون)، ثم إلى قرية دل دينوة (بدالين مهملين مكسورين بينهما لام مسكنة وياء مد ونون مفتوح وواو مفتوح وتاء تأنيث)، ثم إلى قرية آت فلنجة (بهمزة مفتوحة وتاء مثناة مسكنة وقاف ولام مفتوحين ونون مسكن وجيم مفتوح)، وهنالك «كان» يشتي الشيخ أبو عبد الله بن خفيف، وكل هذه القرى والمنازل هي بالجبل.

وعند أصل الجبل في هذا الطريق درخت روان، ودرخت هي (بفتح الدال المهمل والراء وسكون الخاء المعجم وتاء معلوة)، وروان (بفتح الراء والواو وألف ونون) وهي شجرة عادية لا يسقط لها ورق، ولم أرَ من رأى ورقها، ويعرفونها أيضًا بالماشية؛ لأن الناظر إليها من أعلى الجبل يراها بعيدة منه قريبة من أسفل الجبل، والناظر إليها من أسفل الجبل يراه بعكس ذلك، ورأيت هنالك جملة من الجوكيين ملازمين أسفل الجبل ينتظرون سقوط ورقها، وهي بحيث لا يمكن التوصل إليها البتة، ولهم أكاذيب في شأنها من جملتها أن من أكل من أوراقها عاد له الشباب إن كان شيخًا وذلك باطل، وتحت هذا الجبل الخور العظيم الذي يخرج منه الياقوت، وماؤه يظهر في رأى العين شديد الزرقة، ورحلنا من هنالك يومين إلى مدينة دينور (وضبط اسمها بدال مهمل مكسور وياء مد ونون وواو مفتوحين وراء)، مدينة عظيمة على البحر يسكنها التجار، وبها الصنم المعروف بدينور في كنيسة عظيمة فيها نحو الألف من البراهمة والجوكية ونحو خمسمائة من النساء بنات الهنود، ويغنين كل ليلة عند الصنم ويرقصن والمدينة ومجابيها وقف على الصنم وكل من بالكنيسة، ومن يرد عليها يأكلون من ذلك، والصنم من ذهب على قدر الآدمي، وفي موضع العينين منه ياقوتتان عظيمتان، أخبرت أنهما تضيئان بالليل كالقنديلين، ثم رحلنا إلى مدينة قالي (بالقاف وكسر اللام)، وهي صغيرة على ستة فراسخ من دينور، وبها رجل من المسلمين يُعرف بالناخودة إبراهيم أضافنا بموضعه.

ورحلنا إلى مدينة كلنبو (وضبط اسمها بفتح الكاف واللام وسكون النون وضم الباء الموحدة وواو)، وهي من أحسن بلاد سرنديب وأكبرها، وبها يسكن الوزير حاكم البحر جالستي، ومعه نحو خمسمائة من الحبشة، ثم رحلنا فوصلنا بعد ثلاثة أيام إلى بطالة — وقد تَقَدَّمَ ذِكْرُها — ودخلنا إلى سلطانها — الذي تَقَدَّمَ ذِكْرُه — ووجدت الناخودة إبراهيم في انتظاري، فسافرنا بقصد بلاد المعبر، وقويت الريح، وكاد الماء يدخل في المركب، ولم يكن لنا رئيس عارف، ثم وصلنا إلى حجارة كاد المركب ينكسر فيها، ثم دخلنا بحرًا قصيرًا فتجلس المركب، ورأينا الموت عيانًا ورمى الناس بما معهم وتوادعوا وقطعنا صاري المركب فرمينا به، وصنع البحرية معدية من الخشب.

وكان بيننا وبين البر فرسخان، فأردت أن أنزل في المعدية، وكان لي جاريتان وصاحبان من أصحابي، فقال: أتنزل وتتركنا؟ فآثرتهما على نفسي وقلت: أنزلا أنتم والجارية التي أحبها، فقالت الجارية: إني أحسن السباحة، فأتعلق بحبل من حبال المعدية وأعوم معهم، فنزل رفيقاي، وأحدهما محمد بن فرحان التوزري والآخر رجل مصري والجارية معهم والأخرى تسبح، وربط البحرية في المعدية حبالًا وسحبوا بها، وجعلت معهم ما عز علي من المتاع والجواهر والعنبر، فوصلوا إلى البر سالمين؛ لأن الريح كانت تساعدهم، وأقمت بالمركب ونزل صاحبه إلى البر على الدقة، وشرع البحرية في عمل أربع من المعادي، فجاء الليل قبل تمامها، ودخل معنا الماء فصعدت إلى المؤخر وأقمت به حتى الصباح، وحينئذٍ جاء إلينا نفر من الكفار في قارب لهم، ونزلنا معهم إلى الساحل ببلاد المعبر، فأعلمناهم أنا من أصحاب سلطانهم وهم تحت ذمته، فكتبوا إليه بذلك وهو على مسيرة يومين في الغزو، وكتبت أنا إليه أعلمه بما اتفق علي، وأدخلنا أولئك الكفار إلى غيضة عظيمة، فأتونا بفاكهة تشبه البطيخ يثمرها شجرة المقل، وفي داخلها شبه قطن فيه عسلية يستخرجونها، ويصنعون منها حلواء يسمونها التل وهي تشبه السكر وأتوا بسمك طيب، وأقمنا ثلاثة أيام، ثم وصل من جهة السلطان أمير يُعْرَف بقمر الدين معه جماعة فرسان ورجال وجاءوا بالدولة وبعشرة أفراس فركبت وركب أصحابي وصاحب المركب وإحدى الجاريتين وحملت الأخرى في الدولة، ووصلنا إلى حصن هركاتو (وضبط اسمه بفتح الهاء وسكون الراء وفتح الكاف وألف وتاء معلوة مضمومة وواو)، وبتنا به وتركت فيه الجواري وبعض الغلمان والأصحاب، ووصلنا في اليوم الثاني إلى محلة السلطان.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.