من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر النساء ذوات الثدي الواحد
وفي بعض تلك الجزائر رأيت امرأة لها ثدي واحد في صدرها ولها ابنتان؛ إحداهما كمثلها ذات ثدي واحد والأخرى ذات ثديين؛ إلا أن أحدهما كبير فيه اللبن والآخر صغير لا لبن فيه، فعجبت من شأنهن، ووصلنا إلى جزيرة من تلك الجزائر صغيرة ليس بها إلا دار واحدة، فيها رجل حائك له زوجة وأولاد ونخيلات نارجيل وقارب صغير يصطاد فيه السمك ويسير به إلى حيث أراد من الجزائر، وفي جزيرته أيضًا شجيرات موز، ولم نَرَ فيها من طيور البر غير غُرَابَيْن خَرَجَا إلينا لما وصلنا الجزيرة وطافا بمركبنا، فغبطت والله ذلك الرجل، وودت أن لو كانت تلك الجزيرة لي، فانقطعت فيها إلى أن يأتيني اليقين، ثم وصلت إلى جزيرة ملوك؛ حيث المركب الذي للناخودة إبراهيم، وهو الذي عزمت على السفر فيه إلى المعبر، فجاء إلي ومعه أصحابه، وأضافوني ضيافة حسنة، وكان الوزير قد كتب لي أن أعطي بهذه الجزيرة مائة وعشرين بستوًا من الكودة وهي الودع، وعشرين قدحًا من الأطوان وهو عسل النارجيل وعددًا معلومًا من التنبول والفوفل والسمك في كل يوم، وأقمت بهذه الجزيرة سبعين يومًا وتزوجت بها امرأتين، وهي من أحسن الجزائر خضرة نضرة رأيت من عجائبها أن الغصن يقتطع من شجرها، ويركز في الأرض أو الحائط فيورق ويصير شجرة، ورأيت الرمان بها لا ينقطع له ثمر بطول السنة، وخاف أهل هذه الجزيرة من الناخودة إبراهيم أن ينهبهم عند سفره، فأرادوا إمساك ما في مركبه من السلاح حتى يوم سفره، فوقعت المشاجرة بسبب ذلك وعدنا إلى المهل ولم ندخلها، وكتبت إلى الوزير معلمًا بذلك، فكتب أن لا سبيل لأخذ السلاح، وعدنا إلى ملوك وسافرنا منها في نصف ربيع الثاني عام خمسة وأربعين.
وفي شعبان من هذه السنة توفِّي الوزير جمال الدين رحمه الله، وكانت السلطانة حاملًا منه فولدت إثر وفاته، وتزوجها الوزير عبد الله، وسافرنا ولم يكن معنا رئيس عارف، ومسافة ما بين الجزائر والمعبر ثلاثة أيام فسرنا نحو تسعة أيام، وفي التاسع منها خرجنا إلى جزيرة سيلان، ورأينا جبل سرنديب فيها ذاهبًا في السماء كأنه عمود دخان، ولما وصلناها قال البحرية أن هذا المرسى ليس في بلاد السلطان الذي يدخل التجار إلى بلاده آمنين إنما هذا مرسى في بلاد السلطان إيري سكروتي، وهو لعتاة المفسدين، وله مراكب تقطع في البحر، فخفنا أن ننزل بمرساه، ثم اشتدت الريح فخفنا الغرق فقلت للناخودة: أنزلني إلى الساحل وأنا آخذ لك الأمان من هذا السلطان، ففعل ذلك وأنزلني بالساحل، فأتانا الكفار فقالوا: ما أنتم؟ فأخبرتهم أني سلف سلطان المعبر وصاحبه جئت لزيارته، وأن الذي في المركب هدية له، فذهبوا إلى سلطانهم فأعلموه بذلك فاستدعاني، فذهبت له إلى مدينة بطالة (وضبط اسمها بفتح الباء الموحدة والطاء المهمل وتشديدها)، وهي حضرته مدينة صغيرة حسنة، عليها سور خشب وأبراج خشب وجميع سواحلها مملوءة بأعواد القرفة، تأتي بها السيول فتجمع بالساحل كأنها الروابي، ويحملها أهل المعبر والمليبار دون ثمن إلا أنهم يهدون للسلطان في مقابلة ذلك الثوب ونحوه، وبين بلاد المعبر وهذه الجزيرة مسيرة يوم وليلة، وبها أيضًا من خشب البقم كثير ومن العود الهندي المعروف بالكلخي، إلا أنه ليس كالقماري والقاقلي وسنذكره.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع