من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر وصولي إلى هذه الجزائر وتنقُّل حالي بها
ولما وصلت إليها نزلت منها بجزيرة كنلوسن وهي جزيرة حسنة فيها المساجد الكثيرة، ونزلت بدار رجل من صلحائها، وأضافني بها الفقيه علي، وكان فاضلًا له أولاد من طلبة العلم، ولقيت بها رجلًا اسمه محمد من أهل ظفار الحموض فأضفاني وقال لي: إن دَخَلْتَ جزيرة المهل أَمْسَكَكَ الوزير بها، فإنهم لا قاضي عندهم، وكان غرضي أن أسافر منها إلى المعبر وسرنديب وبنجالة ثم إلى الصين، وكان قدومي عليها في مركب الناخودة عمر الهنوري، وهو من الحجاج الفضلاء، ولما وصلنا كنلوس أقام بها عشرًا، ثم اكترى كندرة يسافر فيها إلى المهل بهدية للسلطانة وزوجها، فأردْتُ السفر معه فقال: لا تسعك الكندرة أنت وأصحابك، فإن شئت السفر منفردًا عنهم فدونك، فأبيت ذلك وسافر فلَعِبَتْ به الريح، وعاد إلينا بعد أربعة أيام وقد لقي شدائد فاعتذر لي وعزم علي في السفر معه بأصحابي، فكنا نرحل غدوة فننزل في وسط النهار لبعض الجزائر ونرحل فنبيت بأخرى، ووصلنا بعد أربعة أيام إلى إقليم التيم، وكان الكردوي يسمى بها هلالًا فسلم علي وأضافني، وجاء إلي ومعه أربعة رجال، وقد جعل اثنان عليهم عودًا على أكتافهما، وعَلَّقَا منه أربع دجاجات، وجعل الآخران عودًا مثله، وعَلَّقَا منه نحو عشر من جوز النارجيل، فعجبت من تعظيمهم لهذا الشيء الحقير، فأُخْبِرْتُ أنهم صنعوه على جهة الكرامة والإجلال، ورحلنا عنهم فنزلنا في اليوم السادس بجزيرة عثمان، وهو رجل فاضل من خيار الناس فأَكْرَمَنَا وأضافنا، وفي اليوم الثامن نزلنا بجزيرةٍ لِوَزِيرٍ يقال له التلمذي، وفي اليوم العاشر وَصَلْنَا إلى جزيرة المهل؛ حيث السلطانة وزوجها وأرسينا بمرساها، وعادتهم ألَّا ينزل أحد عن المرسى إلا بإذنهم، فأذنوا لنا بالنزول، وأَرَدْتُ التوجه إلى بعض المساجد، فمنعني الخدام الذين بالساحل، وقالوا: لا بد من الدخول إلى الوزير.
وكُنْتُ أوصيت الناخودة أن يقول إذا سُئِلَ عني: لا أعرفه؛ خوفًا من إمساكهم إياي، ولم أَعْلَمْ أن بعض أهل الفضول قد كتب إليهم معرفًا بخبري، وأني كنت قاضيًا بدهلي، فلما وصلنا إلى الدار وهو المشور نزلنا في سقائف على الباب الثالث منه، وجاء القاضي عيسى اليمني فسلَّم علي وسلمت على الوزير، وجاء الناخودة إبراهيم بعشرة أثواب فخدم لجهة السلطانة ورمى بثوب منها ثم خدم للوزير ورمى بثوب آخر كذلك ورمى بجميعها، وسئل عني فقال لا أعرفه، ثم أخرجوا التنبول وماء الورد، وذلك هو الكرامة عندهم، وأنزلنا بدار وبعث إلينا الطعام وهو قصعة كبيرة فيها الأرز، وتدور بها صحاف فيها اللحم الخليع والدجاج والسمن والسمك، ولما كان بالغد مضيت مع الناخودة والقاضي عيسى اليمني لزيارة زاوية في طرف الجزيرة، عمَّرَها الشيخ الصالح نجيب وعدنا ليلًا، وبعث الوزير إلي صبيحة تلك الليلة كسوة وضيافة، فيها الأرز والسمن والخليع وجوز النارجيل والعسل المصنوع منها وهم يسمونه القرباني (بضم القاف وسكون الراء وفتح الباء الموحدة وألف ونون وياء)، ومعنى ذلك ماء السكر، وأتوا بمائة ألف ودعة للنفقة وبعد عشرة أيام قدم مركب من سيلان فيه فقراء من العرب والعجم يَعْرِفوني، فعرفوا خدام الوزير بأمري فزاد اغتباطًا بي وبعث عني عند استهلال رمضان فوجدت الأمراء والوزراء، وأحضر الطعام في موائد، يجتمع على المائدة طائفة، فأجلسني الوزير إلى جانبه ومعه القاضي عيسى والوزير الفاملد أري والوزير عمر دهري ومعناه مقدم العسكر، وطعامهم الأرز والدجاج والسمن والسمك والخليع والموز المطبوخ، ويشربون بعده عسل النارجيل مخلوطًا بالأقاوية وهو يهضم الطعام.
وفي التاسع من شهر رمضان مات صهر الوزير زوج بنته، وكانت قبله عند السلطان شهاب الدين، ولم يدخل بها أحد منهما لصغرها، فردها أبوها لداره، وأعطاني دارها وهي من أجمل الدور، واستأذنته في ضيافة الفقراء القادمين من زيارة القدم فأذن لي في ذلك، وبعث إلي خمسًا من الغنم وهي عزيزة عندهم؛ لأنها مجلوبة من المعبر والمليبار ومقدشو، وبعث الأرز والدجاج والسمن والأبازير، فبعثت ذلك كله إلى دار الوزير سليمان مانايك، فطبخ لي بها فأحسن في طبخه وزاد فيه، وبعث الفرش وأواني النحاس وأفطرنا على العادة بدار السلطانة مع الوزير، واستأذنته في حضور بعض الوزراء بتلك الضيافة فقال لي وأنا أحضر أيضًا فشكرته وانصرفت إلى داري، فإذا به قد جاء ومعه الوزراء وأرباب الدولة، فجلس قبة في خشب مرتفعة، وكان كل من يأتي من الأمراء والوزراء يسلم على الوزير، ويرمي بثوب غير مخيط حتى اجتمع مائة ثوب أو نحوها فأخذها الفقراء، وقدم الطعام فأكلوا، ثم قرأ القراء بالأصوات الحسان، ثم أخذوا في السماع والرقص وأعددت النار، فكان الفقراء يدخلونها ويطئونها بالأقدام، ومنهم من يأكلها كما تُؤْكَل الحلواء إلى أن خمدت.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع