تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر سلطانة هذه الجزائر

ومن عجائبها أن سلطانتها امرأة، وهي خديجة بنت السلطان جلال الدين عمر بن السلطان صلاح الدين صالح البنجالي، وكان الملك لجدها ثم لأبيها، فلما مات أبوها ولي أخوها شهاب الدين وهو صغير السن، فتزوج الوزير عبد الله بن محمد الحضرمي أمه وغلب عليه، وهو الذي تزوج أيضًا هذه السلطانة خديجة بعد وفاة زوجها الوزير جمال الدين كما سنذكره، فلما بلغ شهاب الدين مبلغ الرجال أخرج ربيبه الوزير عبد الله ونفاه إلى جزائر السويد، واستقل بالملك واستوزر أحد مواليه ويسمى علي الكلكي، ثم عَزَلَهُ بعد ثلاثة أعوام ونفاه إلى السويد، وكان يُذْكَر عن السلطان شهاب الدين المذكور أنه يختلف إلى حرم أهل دولته وخواصه بالليل فخلعوه لذلك، ونفوه إلى إقليم هلدتني، وبعثوا من قتله بها، ولم يكن بقي من بيت الملك إلا أخواته خديجة الكبرى ومريم وفاطمة، فقدموا خديجة سلطانة، وكانت متزوجة لخطيبهم جمال الدين، فصار وزيرًا وغالبًا على الأمر، وقدم ولده محمد للخطابة عوضًا منه، ولكن الأوامر إنما تنفذ باسم خديجة، وهم يكتبون الأوامر في سعف النخل بحديدة معوجة شبه السكين، ولا يكتبون في الكاغد إلا المصاحف وكتب العلم، ويذكرها الخطيب يوم الجمعة وغيرها، فيقول: اللهم انصر أمتك التي اخترتها على علم على العالمين، وجعلتها رحمة لكافة المسلمين ألا وهي السلطانة خديجة بنت السلطان جلال الدين ابن السلطان صلاح الدين، ومن عادتهم إذا قدم الغريب عليهم ومضى إلى المشور وهم يسمونه الدار، فلا بد له أن يستصحب ثوبين، فيخدم لجهة هذه السلطانة ويرمي بأحدهما ثم يخدم لوزيرها وهو زوجها جمال الدين ويرمي بالثاني، وعسكرها نحو ألف إنسان من الغرباء وبعضهم بلديون، ويأتون كل يوم إلى الدار فيخدمون وينصرفون ومرتبهم الأرز يعطاهم من البندر في كل شهر، فإذا تم الشهر أتوا الدار وخدموا وقالوا للوزير: بلغ عنا الخدمة، واعلم بأنا أتينا نطلب مرتبنا، فيؤمر لهم بها عند ذلك، ويأتي أيضًا إلى الدار كل يوم القاضي وأرباب الخطط وهم الوزراء عندهم فيخدمون، ويبلغ خدمتهم الفتيان وينصرفون.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.