تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر توجهنا إلى الغزو وفتح سندابور

وكان السلطان جمال الدين قد جَهَّزَ اثنين وخمسين مركبًا وسفرته برسم غزو سندابور، وكان وَقَعَ بين سلطانها وولده خلاف، فكتب ولده إلى السلطان جمال الدين أن يتوجه لفتح سندابور، ويسلم الولد المذكور، ويزوجه السلطان أخته، فلما تَجَهَّزَت المراكب، ظَهَرَ لي أن أَتَوَجَّهَ فيها إلى الجهاد، ففَتَحْتُ المصحف أنظر فيه، فكان في أول الصفح: يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الله كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ فاستبشرت بذلك، وأتى السلطان إلى صلاة العصر، فقلت له: إني أريد السفر، فقال: أنت إذن تكون أميرهم، فأخبرْتُه بما خرج لي في أول الصفح، فأعْجَبَهُ ذلك وعَزَمَ على السفر بنفسه، ولم يكن ظَهَرَ له ذلك قَبْلُ، فرَكِبَ مركبًا منها وأنا معه وذلك في يوم السبت، فوصلنا عشي الإثنين إلى سندابور ودخلنا خورها، فوجدنا أهلها مستعدين للحرب، وقد نصبوا المجانيق، فبِتْنَا عليها تلك الليلة، فلما أصبح ضُرِبَت الطبول والأنفار والأبواق، وزحفت المراكب، ورمت عليها بالمجانيق، فلقد رأيت حجرًا أصاب بعض الواقفين بمقربة من السلطان، ورمى أهل المراكب أنفسهم في الماء وبأيديهم الترسة والسيوف، ونزل السلطان إلى العكيري — وهو شبه الشلير — ورميت بنفسي في الماء في جملة الناس، وكان عندنا طريدتان مفتوحتي المواخر فيها الخيل، وهي بحيث يركب الفارس فرسه في جوفها ويتدرع ويخرج ففعلوا ذلك، وأذن الله في فتحها، وأنزل النصر على المسلمين، فدخلنا بالسيف ودَخَلَ معظم الكفار في قصر سلطانها، فرمينا النار فيه فخرجوا وقبضنا عليهم، ثم إن السلطان أَمَّنَهُم، ورَدَّ لهم نساءهم وأولادهم، وكانوا نحو عشرة آلاف، وأسكنهم بربض المدينة، وسكن السلطان القصر، وأعطى الديار بمقربة منه لأهل دولته، وأعطاني جارية منهن تسمى لمكي فسميتها مباركة، وأراد زوجها فداءها فأبيت، وكساني فرجية مصرية وُجِدَتْ في خزائن الكافر، وأقمت عنده بسندابور من يوم فتحها، وهو الثالث عشر لجمادى الأولى إلى منتصف شعبان، وطلبت منه الإذن في السفر، فأخذ علي العهد في العودة إليه.

وسافرت في البحر إلى هنور ثم إلى فاكنور ثم إلى منجرور ثم إلى هيلي ثم إلى جرفتن وده فتن وبدفتن وفندرينا وقالوط — وقد تَقَدَّمَ ذِكْر جميعها — ثمَّ إلى مدينة الشاليات، (وهي بالشين المعجم وألف ولام وياء آخر الحروف وألف وتاء معلوة) مدينة من حسان المدن، تُصنع بها الثياب المنسوبة لها، وأقمت بها فطال مقامي، فعُدْتُ إلى قالقوط، ووصل إليها غلامان كانا لي بالككم، فأخبراني أن الجارية التي كانت حاملًا — وبسببها كان تَغَيَّرَ خاطري — تُوُفِّيَتْ، وأخذ صاحب الجاوة سائر الجواري، واستولت الأيدي على المتاع، وتفرق أصحابي إلى الصين والجاوة بنجالة، فعُدْتُ لَمَّا تَعَرَّفْتُ هذا إلى هنور ثم إلى سندابور فوصلتها في آخر المحرم، وأقمت بها إلى الثاني من شهر ربيع الآخر، وقدم سلطانهم الكافر الذي دخلنا عليه برسم أخذها وهرب إليه الكفار كلهم، وكانت عساكر السلطان متفرقة في القرى، فانقطعوا عنا وحَصَرَنا الكفار وضَيَّقُوا علينا، ولما اشتد الحال خرجت عنها وتَرَكْتُها محصورة وعُدْتُ إلى قالقوط، وعزمت على السفر إلى ذيبة المهل وكنت أسمع بأخبارها، فبعد عشرة أيام من ركوبنا البحر بقالقوط وصلنا جزائر ذيبة المهل، وذيبة على لفظ مؤنث الذيب والمهل (بفتح الميم والهاء)، وهذه الجزائر إحدى عجائب الدنيا وهي نحو ألفي جزيرة، ويكون منها مائة فما دونها مجتمعات مستديرة كالحلقة لها مدخل كالباب، لا تدخل المراكب إلا منه، وإذا وصل المركب إلى إحداها فلا بد له من دليل من أهلها يسير به إلى سائر الجزائر، وهي من التَّقارب بحيث تظهر رءوس النخل التي بإحداها عند الخروج من الأخرى، فإن أخطأ المركب سِمَتها لم يُمْكِنْه دخولها وحملته الريح إلى المعبر أو سيلان.

وهذه الجزائر أهلها كلهم مسلمون ذوو ديانة وصلاح، وهي منقسمة إلى أقاليم، على كل إقليم والٍ يسمونه الكردوبي، ومن أقاليمها إقليم بالبور (وهو ببائين معقودتين وكسر اللام وآخره راء) ومنها كنلوس (بفتح الكاف والنون مع تشديدها وضم اللام وواو وسين مهمل)، ومنها إقليم المهل وبه تُعْرَف الجزائر كلها وبها يسكن سلاطينها، ومنها إقليم تلاديب (بفتح التاء المعلوة واللام وألف ودال مهمل وياء مد وباء موحدة)، ومنها إقليم كرايدو (بفتح الكاف والراء وسكون الياء المسفولة وضم الدال المهمل وواو)، ومنها إقليم التيم (بفتح التاء المعلوة وسكون الياء المسفولة)، ومنها إقليم تلدمتِي (بفتح التاء المعلوة الأولى واللام وضم الدال المهمل وفتح الميم وتشديدها وكسر التاء الأخرى وياء)، ومنها إقليم هلدمتي وهو مثل لفظ الذي قبله إلا أن الهاء أوله ومنها إقليم بريدو (بفتح الباء الموحدة والراء وسكون الياء وضم الدال المهمل وواو)، ومنها إقليم كندكل (بفتح الكافين والدال المهمل وواو)، ومنها إقليم ملوك (بضم الميم)، ومنها إقليم السويد (بالسين المهمل) وهو أقصاها، وهذه الجزائر كلها لا زرع بها إلا أن في إقليم السويد منها زرعًا يشبه أنلى، ويُجْلَب منه إلى المهل، وإنما أكل أهلها سمك يشبه الليرون يسمونه قلب الماس (بضم القاف)، ولحمه أحمر ولا زفر له، إنما ريحه كريح لحم الأنعام، وإذا اصطادوه قطعوا السمكة منه أربع قطع وطبخوه يسيرًا، ثم جعلوه في مكاتيل من سعف النخل وعلقوه للدخان فإذا استحكم يبسه أكلوه، ويحمل منها إلى الهند والصين واليمن ويسمونه قُلْب الماس (بضم القاف).

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.