من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر مراكب الصين
ومراكب الصين ثلاثة أصناف الكبار منها تسمى الجنوك واحدها جنك (بجيم معقود مضموم ونون ساكن)، والمتوسطة تسمى الزو (بفتح الزاي وواو) والصغار يسمى أحدها الككم (بكافين مفتوحين)، ويكون في المركب الكبير منها اثنا عشر قلعًا فما دونها إلى ثلاثة، وقلعها من قضبان الخيزران منسوجة كالحصر لا تحط أبدًا، ويديرونها بحسب دوران الريح، وإذا أرسوا تركوها واقفة في مهب الريح، ويخدم في المركب منها ألف رجل منهم البحرية ستمائة ومنهم أربعمائة من المقاتلة تكون فيهم الرماة وأصحاب الدرق والجرخية، وهم الذين يرمون بالنفط، ويتبع كل مركب كبير منها ثلاثة النصفي والثلثي والربعي، ولا تُصْنَع هذه المراكب إلا بمدينة الزيتون من الصين أو بصين كلان وهي صين الصين، وكيفية إنشائها أنهم يصنعون حائطين من الخشب يصلون ما بينهما بخشب ضخام جدًّا موصولة بالعرض والطول بمسامير ضخام طول المسمار منها ثلاثة أذرع، فإذا التأم الحائطان بهذه الخشب صنعوا على أعلاهما فرش المركب الأسفل، ودفعوهما في البحر، وأتموا عمله.
وتبقى تلك الخشب والحائطان موالية للماء ينزلون إليها، فيغتسلون ويقضون حاجتهم، وعلى جوانب تلك الخشب يكون مجاذيفهم وهي كبار كالصواري، يجتمع على أحدها العشرة والخمسة عشر رجلًا، ويجذفون وقوفًا على أقدامهم، ويجعلون للمركب أربعة ظهور، ويكون فيه البيوت والمصاري والغرف للتجار، والمصرية منها يكون فيها البيت والسنداس، وعليها المفتاح يسدها صاحبها، ويحمل معه الجواري والنساء، وربما كان الرجل في مصريته لا يعرف به غيره ممن يكون بالمركب حتى يتلاقيا إذا وصلا إلى بعض البلاد، والبحرية يسكنون فيها أولادهم، ويزدرعون الخضر والبقول والزنجبيل في أحواض خشب، ووكيل المركب كأنه أمير، وإذا نزل إلى البرمشت الرماة والحبشة بالحراب والسيوف والأطبال والأبواق والأنفار أمامه، وإذا وصل إلى المنزل الذي يقيم به ركزوا رماحهم عن جانبي بابه، ولا يزالون كذلك مدة إقامته، ومن أهل الصين من تكون له المراكب الكثيرة يبعث بها وكلاءه إلى البلاد، وليس في الدنيا أكثر أموالًا من أهل الصين.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع