تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر ترتيب طعامه

وترتيبه أن يؤتى بمائدة نحاس يسمونها خوتجة، ويُجْعَل عليها طبق نحاس يسمونه الطالم (بفتح الطاء المهمل وفتح اللام)، وتأتي جارية حسنة ملتحفة بثوب حرير، فتقدم قدور الطعام بين يديه، ومعها مغرفة نحاس كبيرة، فتغرف بها من الأرز مغرفة واحدة، وتجعلها في الطالم، وتصب فوقها السمن، وتجعل مع ذلك عناقيد الفلفل المملوح والزنجبيل الأخضر والليمون المملوح والعنبا، فيأكل الإنسان لقمة، ويُتْبِعها بشيء من تلك الموالح، فإذا تَمَّت الغرفة التي جَعَلَتْها في الطال غَرَفَتْ غرفة أخرى من الأرز، وأفرغت دجاجة مطبوخة في سكرجة فيؤكل بها الأرز أيضًا، فإذا تَمَّت المغرفة الثانية غَرَفَتْ وأفرغت لونًا آخر من الدجاج تؤكل به، فإذا تَمَّتْ ألوان الدجاج أتوا بألوان من السمك، فيأكلون بها الأرز أيضًا، فإذا فرغت ألوان السمك أتوا بالخضر مطبوخة بالسمن والألباب فيأكلون بها الأرز، فإذا فَرَغَ ذلك كله أتوا بالكوشان وهو اللبن الرائب وبه يختمون طعامهم، فإذا وُضِعَ عُلِمَ أنه لم يَبْقَ شيء يؤكل بعده، ثم يشربون على ذلك الماءَ السخن؛ لأن الماء البارد يَضُرُّ بهم في فصل نزول المطر، ولقد أقمت عند هذا السلطان في كرة أخرى أحد عشر شهرًا لم آكل خبزًا، إنما طعامهم الأرز، وبقيت أيضًا بجزائر المهل وسيلان وبلاد المعبر والمليبار ثلاث سنين لا آكل فيها إلَّا الأرز حتى كنت لا أستسيغه إلَّا بالماء، ولباس هذا السلطان ملاحف الحرير والكتان الرقاق؛ يَشُدُّ في وسطه فوطة ويلتحف ملحفتين إحداهما فوق الأخرى، ويعقص شعره، ويلفُّ عليه عمامة صغيرة، وإذا رَكِبَ لَبِسَ قباء والْتَحَفَ بملحفتين فوقه، وتُضْرَب بين يديه طبول وأبواق يحملها الرجال.

وكانت إقامتنا عنده في هذه المرة ثلاثة أيام وزودونا وسافرنا عنه، وبعد ثلاثة أيام وَصَلْنا إلى بلاد المليبار (بضم الميم وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة وألف وراء)، وهي بلاد الفلفل وطولها مسيرة شهرين على ساحل البحر من سندابور إلى كولم والطريق في جميعها بين ظلال الأشجار، وفي كل نصف ميل بيت من الخشب، فيه دكاكين يقعد عليها كل وارد وصادر من مسلم أو كافر، وعند كل بيت منها بئر يشرب منها ورجل كافر موكل بها، فمن كان كافرًا سقاه في الأواني، ومن كان مسلمًا سقاه في يديه، ولا يزال يصب له حتى يشير له أو يكف، وعادة الكفار ببلاد المليبار ألَّا يدخل المسلم دورهم، ولا يطعم في أوانيهم، فإن طعم فيها كسروها وأعطوها للمسلمين، وإذا دخل المسلم موضعًا منها لا يكون فيه دار للمسلمين طبخوا له الطعام، وصبوه له على أوراق الموز وصبوا عليه الإدام، وما فضل عنه يأكلونه الكلاب والطير، وفي جميع المنازل بهذا الطريق ديار المسلمين ينزل عندهم المسلمون، فيبيعون منهم جميع ما يحتاجون إليه، ويطبخون لهم الطعام، ولولاهم لما سافر فيه مسلم، وهذا الطريق الذي ذكرنا أنه مسيرة شهرين ليس فيه موضع شبر فما فوقه دون عمارة، وكل إنسان بستانه على حدة وداره في وسطه وعلى الجميع حائط خشب، والطريق يمر في البساتين، فإذا انتهى إلى حائط بستان كان هنالك درج خشب يصعد عليها، ودرج آخر ينزل عليها إلى البستان الآخر هكذا مسيرة الشهرين، ولا يسافر أحد في تلك البلاد بدابة، ولا تكون الخيل إلا عند السلطان.

وأكثر ركوب أهلها في دولة على رقاب العبيد أو المستأجرين، ومن لم يركب في دولة مشى على قدميه كائنًا من كان، ومن كان له رحل أو متاع من تجارة وسواها اكترى رجالًا يحملونه على ظهورهم، فترى هنالك التاجر ومعه المائة فما دونها أو فوقها يحملون أمتعته، وبيد كل واحد منهم عود غليظ، له زج حديد وفي أعلاها مخطاف حديد، فإذا أعيا ولم يجدد كأنه يستريح عليها ركز عوده بالأرض، وعلق حمله منه، فإذا استراح أخذ حمله من غير معين ومضى به، ولم أَرَ طريقًا آمَنَ من هذا الطريق، وهم يقتلون السارق على الجوزة الواحدة، فإذا سقط شيء من الثمار لم يلتقطه أحد حتى يأخذه صاحبه، وأخبرت أن بعض الهنود مروا على الطريق، فالتقط أحدهم جوزة، وبلغ خبره إلى الحاكم، فأمر بعود فركز في الأرض، وبرى طرفه الأعلى، وأدخل في لوح خشب حتى برز منه، ومد الرجل على اللوح، وركز في العود وهو على بطنه حتى خرج من ظهره، وترك عبرة للناظرة، ومن هذه العيدان على هذه الصورة بتلك الطرق كثيرًا ليراها الناس فيتعظوا، ولقد كنا نلقى الكفار بالليل في هذه الطريق، فإذا رأونا تنحوا عن الطريق حتى نجوز، والمسلمون أعز الناس بها، غير أنهم — كما ذكرنا — لا يؤاكلونهم ولا يدخلونهم دورهم، وفي بلاد المليبار اثنا عشر سلطانًا من الكفار منهم القوي الذي يبلغ عسكره خمسين ألفًا، ومنهم الضعيف الذي عسكره ثلاثة آلاف.

ولا فتنة بينهم البتة، ولا يطمع القوي منهم في انتزاع ما بيد الضعيف، وبين بلاد أحدهم وصاحبه باب خشب منقوش فيه اسم الذي هو مبدأ عمالته ويسمونه باب أمان فلان، وإذا فر مسلم أو كافر بسبب جناية من بلاد أحدهم ووصل باب أمان الآخر أمن على نفسه، ولم يستطع الذي هرب عنه أخذه، وإن كان القوي صاحب العدد والجيوش، وسلاطين تلك البلاد يورثون ابن الأخت ملكهم دون أولادهم، ولم أَرَ مَنْ يفعل ذلك إلا مسوقة أهل الثلم (اللثام)، وسنذكرهم فيما بعد، فإذا أراد السلطان من أهل بلاد المليبار منع الناس من البيع والشراء، أمر بعض غلمانه فعلق على الحوانيت بعض أغصان الأشجار بأوراقها فلا يبيع أحد ولا يشتري ما دامت عليها تلك الأغصان.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.