من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر ركوبنا البحر
وركبنا في مركب لإبراهيم المذكور تسمى الجاكر (بفتح الجيم والكاف المعقودة)، وجعلنا فيه من خيل الهدية سبعين فرسًا، وجعلنا باقيها مع خيل أصحابنا في مركب لأخي إبراهيم المذكور يُسمَّى منورت (بفتح الميم ونون وواو مد وراء مسكن وتاء معلوة)، وأعطانا جالنسي مركبًا، جعلنا فيه خيل ظهير الدين وسنبل وأصحابهما وجهزه لنا بالماء والزاد والعلف، وبعث معنا ولده في مركب يُسمَّى العكيري (بضم العين المهمل وفتح الكاف وسكون الياء وراء)، وهو شبه الغراب إلا أنه أوسع منه، وفيه ستون مجذافًا، ويسقف حين القتال حتى لا ينال الجذافين شيء من السهم ولا الحجارة، وكان ركوبي أنا في الجاكر، وكان فيه خمسون راميًا وخمسون من المقاتلة الحبشة وهم زعماء هذا البحر وإذا كان بالمركب أحد منهم تحاماه لصوص الهنود وكفارهم، ووصلنا بعد يومين إلى جزيرة بيرم (وضبط اسمها بفتح الباء الموحدة وسكون الياء وفتح الراء)، وهي خالية وبينها وبين البر أربعة أميال، فنزلنا بها واستقينا الماء من حوض بها، وسبب خرابها أن المسلمين دخولها على الكفار فلم تعمر بعد، وكان ملك التجار — الذي تَقَدَّمَ ذِكْرُه — أراد عمارتها وبنى سورها، وجعل بها المجانيق، وأسكن بها بعض المسلمين، ثم سافرنا منها ووصلنا في اليوم الثاني إلى مدينة قوقة وهي (بضم القاف الأولى وفتح الثانية)، وهي مدينة كبيرة عظيمة الأسواق، أرسينا على أربعة أميال منها بسبب الجزر، ونزلت في عشاري مع بعض أصحابي حين الجزر لأدخل إليها، فوحل العشاري في الطين، وبقي بيننا وبين البلد نحو ميل، فكنت لما نزلنا في الوحل أتوكا على رجلين من أصحابي، وخوفني الناس من وصول المد قبل وصولي إليها وأنا لا أحسن السباحة، ثم وصلت إليها، وطفت بأسواقها، ورأيت بها مسجدًا يُنْسَب للخضر وإلياس عليهما السلام صليت به المغرب، ووجدت به جماعة من الفقراء الحيدرية مع شيخ لهم ثم عدت إلى المركب.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع