من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر السحرة الجوكية: حكاية (٤)
ولما رد ابن أخت الوزير إليه أَمَرَ به أن يُقْتَل كما قَتَلَ أصحابه، وكانت له جارية يحبها، فاستحضرها وأطعمها التنبول وأطعمَتْه وعانقها مودعًا، ثم طرح للفيلة وسُلِخَ جلده وملئ تبنًا، فلما كان من الليل خرجت الجارية من الدار، فرَمَتْ بنفسها في بئر هنالك تقرب من الموضع الذي قُتِلَ فيه، فوُجِدَتْ ميتة من الغد، فأُخْرِجَتْ ودُفِنَ لَحْمُه معها في قبر واحد، وسُمِّيَ ذلك قبور (كور) عاشقا، وتفسير ذلك بلسانهم قبر العاشقين، ثم سافرنا من مدينة ظهار إلى مدينة أجين (وضبط اسمها بضم الهمزة وفتح الجيم وياء ونون)، مدينة حسنة كثيرة العمارة، وكان يسكنها الملك ناصر الدين بن عين الملك من الفضلاء الكرماء العلماء استشهد بجزيرة سندابور حين افتتاحها، وقد زرت قبره هنالك وسنذكره، وبهذه المدينة كان سكنى الفقيه الطبيب جمال الدين المغربي الغرناطي الأصل، ثم سافرنا من مدينة أجين إلى مدينة دولة آباد وهي المدينة الضخمة العظيمة الشأن الموازية لحضرة دهلي في رفعة قدرها واتساع خطتها، وهي منقسمة ثلاثة أقسام؛ أحدها دولة آباد وهو مختص بسكنى السلطان وعساكره، والقسم الثاني يسمى الكتكة (بفتح الكافين والتاء المعلوة التي بينهما)، والقسم الثالث قلعتها التي لا مثل لها ولا نظير في الحصانة وتسمى الدويقير (بضم الدال المهمل وفتح الواو وسكون الياء وقاف معقود مكسور وياء مد وراء)، وبهذه المدينة سكنى الخان الأعظم قطلو خان معلم السلطان بها وببلاد صاغر وبلاد التلنك وما أضيف إلى ذلك، وعمالتها مسيرة ثلاثة أشهر عامرة كلها لحكمه ونوابه فيها، وقلعة الدويقير التي ذكرناها في قطعة حجر في بسيط من الأرض قد نحتت، وبني بأعلاها قلعة يصعد إليها بسلم مصنوع من جلود ويرفع ليلًا، ويسكن بها المفردون وهم الزماميون بأولادهم، وفيها سجن أهل الجرائم العظيمة في جبوب بها، وبها فيران ضخام أعظم من القطوط والقطوط تهرب منها ولا تطيق مدافعتها؛ لأنها تغلبها ولا تصاد إلا بحبل تدار عليها، وقد رأيتها هنالك فعجبت منها.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع