من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر سوق المغنيين
وبمدينة دولة آباد سوق للمغنيين والمغنيات تسمى سوق طرب آباد، من أجمل الأسواق وأكبرها، فيه الدكاكين الكثيرة، كلُّ دكانٍ له باب يفضي إلى دار صاحبه، وللدار باب سوى ذلك الحانوت مزين بالفرش، وفي وسطه شكل مهد كبير، تجلس فيه المغنية أو ترقد، وهي متزينة بأنواع الحلي، وجواريها يحركن مهدها، وفي وسط السوق قبة عظيمة مفروشة مزخرفة، يجلس فيها أمير المطربين بعد صلاة العصر من يوم كل خميس وبين يديه خدامه ومماليكه، وتأتي المغنيات طائفة بعد أخرى، فيغنين بين يديه، ويرقصن إلى وقت المغرب ثم ينصرف، وفي تلك السوق المساجد للصلاة، ويصلي الأئمة فيها التراويح في شهر رمضان، وكان بعض سلاطين الكفار بالهند إذا مر بهذه السوق ينزل بقبتها، ويغني المغنيات بين يديه، وقد فعل ذلك بعض سلاطين المسلمين أيضًا، ثم سافرنا إلى مدينة نذربار (وضبط اسمها بنون وبذال معجم مفتوحتين وراء مسكن وباء موحدة مفتوحة وألف وراء)، مدينة صغيرة يسكنها المرهتة — وهم أهل الإتقان في الصنائع — والأطباء والمنجمون، وشرفاء المرهتة هم البراهمة وهم الكتريون أيضًا، وأكلهم الأرز والخضر ودهن السمسم، ولا يرون بتعذيب الحيوان ولا ذبحه، ويغتسلون للأكل كغسل الجنابة، ولا ينكحون في أقاربهم إلا فيمن كان بينهم وبينه سبعة أجداد، لا يشربون الخمر وهي عندهم أعظم المعائب، وكذلك هي ببلاد الهند عند المسلمين، ومن شربها من مسلم حد ثمانين جلدة، وسُجِن في مطمورة ثلاثة أشهر لا تفتح عليه إلا حين طعامه.
ثم سافرنا من هذه المدينة إلى مدينة صاغر (وضبط اسمها بفتح الصاد المهمل وفتح الغين المعجم وآخره راء)، وهي مدينة كبيرة على نهر كبير يسمى أيضًا صاغر كاسمها وعليه النواعير، والبساتين فيها العنب والموز وقصب السكر، وأهل هذه المدينة أهل صلاح ودين وأمانة، وأحوالهم كلها مرضية، ولهم بساتين فيها الزوايا للوارد والصادر، وكل من يبني زاوية يحبس البستان عليها، ويجعل النظر فيه لأولاده، فإن انقرضوا عاد النظر للقضاة، والعمارة بها كثيرة، والناس يقصدونها للتبرك بأهلها، ولكونها محررة من المغارم والوظائف، ثم سافرنا من صاغر المذكورة إلى مدينة كنباية (وضبط اسمها بكسر الكاف وسكون النون وفتح الباء الموحدة وألف وياء آخر الحروف مفتوحة)، وهي على خور من البحر وهو شبه الوادي، تدخله المراكب، وبه المد والجزر، وعاينت المراكب به مرساة في الوحل حين الجزر، فإذا كان المد عامت في الماء، وهذه المدينة من أحسن المدن في إتقان البناء وعمارة المساجد؛ وسبب ذلك أن أكثر سكانها التجار الغرباء، فهم أبدًا يبنون بها الديار الحسنة والمساجد العجيبة ويتنافسون في ذلك، ومن الديار العظيمة بها دار الشريف السامري الذي اتفقت لي معه قضية الحلواء وكذبه ملك الندماء، ولم أَرَ قط أضخم من الخشب الذي رأيته بهذه الدار وبابها، كأنه باب مدينة وإلى جانبها مسجد عظيم يُعْرَف باسمه، ومنها دار ملك التجار الكازروني وإلى جانبها مسجده، ومنها دار التاجر شمس الدين كلاه دوز ومعناه خياط الشواشي.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع