من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر سوق المغنيين: حكاية
ولما وقع ما قدمناه من مخالفة القاضي جلال الدين الأفغاني أراد شمس الدين المذكور والناخودة إلياس، وكان من كفار أهل هذه المدينة وملك الحكماء الذي تَقَدَّمَ ذِكْرُه، على أن يمتنعوا منه بهذه المدينة، وشرعوا في حفر خندق عليها؛ إذ لا سور لها، فتغلب عليهم، ودخلها واختفى الثلاثة المذكورون في دار واحدة، وخافوا أن يتطلع عليهم، فاتفقوا على أن يقتلوا أنفسهم، فضرب كل واحد منهم صاحبه بقتارة، وقد ذكرنا صفتها، فمات اثنان منهم، ولم يمت ملك الحكماء، وكان من كبار التجار أيضًا بها نجم الدين الحبلاني، وكان حسن الصورة كثير المال، وبنى بها دارًا عظيمة ومسجدًا، ثم بعث السلطان عنه وأمره عليها، وأعطاه المراتب، فكان ذلك سبب تلف نفسه وماله، وكان أمير كنباية حين وصلنا إلى مقبل التلنكي وهو كبير المنزلة عند السلطان، وكان في صحبته الشيخ زاده الأصبهاني نائبًا عنه في جميع أموره، وهذا الشيخ له أموال عظيمة، وعنده معرفة بأمور السلطنة، ولا يزال يبعث الأموال إلى بلاده، ويتحيل في الفرار، وبلغ خبره إلى السلطان، وذكر عنه أنه يروم الهروب، فكتب إلى مقبل أن يبعثه، فبعثه على البريد، وأحضر بين يدي السلطان ووكل به، والعادة عنده أنه متى وكل بأحد فقلما ينجو، فاتفق هذا الشيخ مع الموكل به على مال يعطيه إياه وهربا جميعًا، وذكر لي أحد الثقات أنه رآه في ركن مسجد بمدينة قلهات، وأنه وصل بعد ذلك إلى بلادهم، فحصل على أمواله، وآمن ممن كان يخافه.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع