تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

حكاية هذا الجوكي

ولما نزلنا بهذه الجزيرة الصغرى وجدنا بها جوكيًّا مستندًا إلى حائط بدخانة وهي بيت الأصنام، وهو فيما بين صنمين منها، وعليه أثر المجاهدة فكلمناه، فلم يتكلم ونظرنا هل معه طعام، فلم نَرَ معه طعامًا، وفي حين نظرنا صاح صيحة عظيمة، فسقطت عند صياحه جوزة من جوز النارجيل بين يديه ودفعها لنا، فعجبنا من ذلك، ودفعنا له دنانير ودراهم، فلم يقبلها وأتيناه بزاد فردَّه، وكانت بين يديه عباءة من صوف الجِمال مطروحة فقَلَّبْتُها بيدي، فدفعها لي، وكانت بيدي سبحة زيلغ فقلبها في يدي، فأعطيته إياها ففركها بيده وشمها وقَبَّلَها، وأشار إلى السماء، ثم إلى سمت القبلة، فلم يفهم أصحابي إشارته فهمت أنا عنه أنه أشار أنه مسلم يخفي إسلامه من أهل تلك الجزيرة، ويتعيش من تلك الجوز، ولما وادعناه قَبَّلْتُ يده، فأنكر أصحابي ذلك، ففَهِمَ إنكارهم، فأخذ يدي وقَبَّلَهَا وتَبَسَّمَ، وأشار لنا بالانصراف فانصرفنا، وكنت آخر أصحابي خروجًا، فجذب ثوبي، فردَدْتُ رأسي إليه، فأعطاني عشرة دنانير، فلما خرجنا عنه قال لي أصحابي: لِمَ جَذَبَكَ، فقلت لهم: أعطاني هذه الدنانير، وأعطيت لظهير الدين ثلاثة منها ولسنبل ثلاثة، وقلت لهما: الرجل مسلم، ألا ترون كيف أشار إلى السماء، يشير إلى أنه يَعْرِف الله تعالى، وأشار إلى القبلة، يشير إلى معرفة الرسول عليه السلام، وأَخْذُه السبحة يُصَدِّق ذلك، فرجعا لَمَّا قلت لهما ذلك إليه فلم يجداه، وسافرنا تلك الساعة.

وبالغد وصلنا إلى مدينة هنور (وضبط اسمها بكسر الهاء وفتح النون وسكون الواو وراء)، وهي على خور كبير تدخله المراكب الكبار والمدينة على نصف ميل من البحر، وفي أيام البشكال وهو المطر يشتد هيجان هذا البحر وطغيانه، فيبقى مدة أربعة أشهر لا يستطيع أحد ركوبه إلا للتصيد فيه، وفي يوم وصولنا إليها جاءني أحد الجوكية من الهنود في خلوة وأعطاني ستة دنانير وقال لي: البرهمن بعثها إليك، يعني الجوكي الذي أعطيته السبحة وأعطاني الدنانير، فأخذتها منه وأعطيته دينارًا منها فلم يقبله وانصرف، وأخبرت أصحابي بالقضية وقلت لهما: إن شئتما فخذا نصيبكما منها فأبيا وجعلا يعجبان من شأنه، وقالا لي: إنَّ الدنانير الستة التي أعطيتنا إياها جعلنا معها مثلها وتركنا بين الصنمين حيث وجدناها، فطال عجبي من أمره، واحتفظت بتلك الدنانير التي أعطانيها، وأهل مدينة هنور شافعية المذهب لهم صلاح ودين وجهاد في الحر وقوة وبذلك عرفوا حتى أذلهم الزمان بعد فتحهم لسندابور وسنذكر ذلك، ولقيت من المتعبدين بهذه المدينة الشيخ محمد الناقوري أضافني بزاويته، وكان يطبخ الطعام بيده استقذارًا للجارية والغلام، ولقيت بها الفقيه إسماعيل معلم كتاب الله تعالى، وهو ورع حسن الخلق كريم النفس، والقاضي بها نور الدين عليا والخطيب لا أذكر اسمه، ونساء هذه المدينة وجميع هذه البلاد الساحلية لا يلبس المخيط إنما يلبس ثيابًا غير مخيطة، تحتزم إحداهن بأحد طرفي الثوب، وتجعل باقيه على رأسها وصدرها، ولهن جمال وعفاف، وتجعل إحداهن خرص ذهب في أنفها، ومن خصائصهن أنهن جميعًا يحفظن القرآن العظيم، ورأيت بالمدينة ثلاثة عشر مكتبًا لتعليم البنات وثلاثة وعشرين لتعليم الأولاد ولم أَرَ ذلك في سواها، ومعاش أهلها من التجار في البحر ولا زرع لهم، وأهل بلاد المليبار يعطون للسلطان جمال الدين في كل عام شيئًا معلومًا خوفًا منه لقوته في البحر، وعسكره نحو ستة آلاف بين فرسان ورجالة.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.