من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر الشجرة العجيبة الشان التي بإزاء الجامع
ورأيت أنا بإزاء الجامع شجرة خضراء ناعمة تشبه أوراقها أوراق التين؛ إلا أنها لينة وعليها حائط يطيف به، وعندها محراب صليت فيه ركعتين، واسم هذه الشجرة عندهم درخت الشهادة، ودرخت (بفتح الدال المهمل والراء وسكون الخاء المعجم وتاء معلوة)، وأخبرت هنالك أنه إذا كان زمان الخريف من كل سنة تسقط من هذه الشجرة ورقة واحدة بعد أن يستحيل لونها إلى الصفرة ثم إلى الحمرة، ويكون فيها مكتوبًا بقلم القدرة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأخبرني الفقيه حسين وجماعة من الثقات أنهم عاينوا هذه الورقة، وقرءوا المكتوب الذي فيها، وأخبرني أنه إذا كانت أيام سقوطها قعد تحتها الثقات من المسلمين والكفار، فإذا سقطت أخذ المسلمون نصفها، وجعل نصفها في خزانة السلطان الكافر وهم يستشفون بها للمرضي، وهذه الشجرة كانت سبب إسلام جد كويل الذي عمر المسجد والباين، فإنه كان يقرأ الخط العربي فلما قرأها وفهم ما فيها أسلم وحسن إسلامه وحكايته عندهم متواترة، وحدثني الفقيه حسين أن أحد أولاده كفر بعد أبيه وطغى وأمر باقتلاع الشجرة من أصلها فاقتلعت، ولم يترك لها أثر، ثم أنها نببت بعد ذلك، وعادت كأحسن ما كانت عليه، وهلك الكافر سريعًا، ثم سافرنا إلى مدينة بد فتن، وهي مدينة كبيرة على خور كبير، وبخارجها مسجد بمقربة من البحر، يأوي إليه غرباء المسلمين؛ لأنه لا مسلم بهذه المدينة، ومرساها من أحسن المراسي وماؤها عذب والفوفل بها كثير ومنها يحمل للهند والصين، وأكثر أهلها براهمة، وهم معظمون عند الكفار مبغضون في المسلمين ولذلك ليس بينهم مسلم.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع