تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر سلطانها (٥)

وهو أكبر سلاطين تلك البلاد واسمه رام دو (بفتح الراء والميم والدال المهمل وسكون الواو)، وبها نحو أربعة آلاف من المسلمين يسكنون ربضًا بناحية المدينة، وربما وقعت الحرب بينهم وبين أهل المدينة، فيصلح السلطان بينهم لحاجته إلى التجار، وبها قاضٍ من الفضلاء الكرماء شافعي المذهب يسمى بدر الدين المعبري وهو يقرئ العلم، صعد إلينا إلى المركب، ورغب منا في النزول إلى بلده، فقلنا حتى يبعث السلطان ولده يقيم بالمركب، فقال: إنما فعل ذلك سلطان فاكنور؛ لأنه لا قوة للمسلمين في بلده، وأمَّا نحن فالسلطان يخافنا، فأبينا عليه إلا أن بعث السلطان ولده، فبعث ولده كما فعل الآخر، ونزلنا إليهم وأكرمونا إكرامًا عظيمًا، وأقمنا عندهم ثلاثة أيام، ثمَّ سافرنا إلى مدينة هيلي، فوصلناها بعد يومين (وضبط اسمها بهاء مكسور وياء مد ولام مكسور)، وهي كبيرة حسنة العمارة على خور عظيم تدخله المراكب الكبار، وإلى هذه المدينة تنتهي مراكب الصين ولا تدخل إلَّا مرساها، ومرسى كولم وقالقوط ومدينة هيلي معظمة عند المسلمين والكفار بسبب مسجدها الجامع، فإنه عظيم البركة مشرق النور، وركاب البحر ينذرون له النذور الكثيرة، وله خزانة مال عظيمة تحت نظر الخطيب حسين، وحسن الوزان كبير المسلمين.

وبهذا المسجد جماعة من الطلبة يتعلمون العلم، ولهم مرتبات من مال المسجد، وله مطبخة يصنع فيها الطعام للوارد والصادر ولإطعام الفقراء من المسلمين بها، ولقيت بهذا المسجد فقيهًا صالحًا من أهل مقدشو يسمى سعيد أحسن اللقاء والخلق يسرد الصوم، وذكر لي أنه جاور بمكة أربع عشرة سنة ومثلها بالمدينة، وأدرك الأمير بمكة أبا نمى والأمير بالمدينة منصور ابن جماز، وسافر في بلاد الهند والصين، ثم سافرنا من هيلي إلى مدينة جرفتن (وضبط اسمها بضم الجيم وسكون الراء وفتح الفاء وفتح التاء المعلوة وتشديدها وآخره نون)، وبينها وبين هيلي ثلاثة فراسخ، ولَقِيتُ بها فقيهًا من أهل بغداد كبير القدر يُعْرَف بالصرصري نسبة إلى بلدة على مسافة عشرة أميال من بغداد في طريق الكوفة واسمها كاسم صرصر التي عندنا بالمغرب، وكان له أخذ بهذه المدينة كثير المال له أولاد صغار أوصى إليه بهم، وتركته آخذًا في حملهم إلى بغداد، وعادة أهل الهند كعادة السودان، لا يتعرضون لمال الميت ولو ترك الآلاف إنما يبقى ماله بيد كبير المسلمين حتى يأخذه مستحقه شرعًا.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.