من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر أخْذنا في السفر إلى الصين ومنتهى ذلك
ولما حان وقت السفر إلى الصين جَهَّزَ لنا السلطان السامري جنكا من الجنوك الثلاث عشر التي بمرسى قالقوط، وكان وكيل الجنك يسمى بسليمان الصفدي الشامي، وبيني وبينه معرفة، فقلت له: أريد مصرية لا يشاركني فيها أحد لأجل الجواري، ومن عادتي ألَّا أسافر إلا بهن، فقال لي: إن تجار الصين قد اكتروا المصاري ذاهبين وراجعين ولصهري مصرية أعطيتها لكنها لا سنداس فيها، وعسى أن تمكن معاوضتها، فأمرت أصحابي، فأوسقوا ما عندي من المتاع وصعد العبيد والجواري إلى الجنك وذلك في يوم الخميس، وأقمت لأصلي الجمعة، وألحق بهم، وصعد الملك سنبل وظهير الدين مع الهدية، ثم أن فتًى له يسمى بهلال أتاني غدوة الجمعة، فقال: إنَّ المصرية التي أخذناها بالجنك ضيقة لا تصلح فذكرت ذلك للناخودة فقال: ليست في ذلك حيلة، فإن أحببت أن تكون في الككم، ففيه المصاري على اختيارك فقلت: نعم، وأَمَرْتُ أصحابي، فنقلوا الجواري والمتاع إلى الككم، واستقروا به قبل صلاة الجمعة، وعادة هذا البحر أن يشتد هيجانه كل يوم بعد العصر، فلا يستطيع أحد ركوبه، وكانت الجنوك قد سافرت، ولم يَبْقَ منها إلا الذي فيه الهدية وجنك عزم أصحابه على أن يشتوا بفندرينا والككم المذكور، فبتنا ليلة السبت على الساحل، لا نستطيع الصعود إلى الككم، ولا يستطيع من فيه النزول إلينا، ولم يكن بقي معي إلا بساط أفترشه، وأصبح الجنك والككم يوم السبت على بُعْد من المرسى ورمى البحر بالجنك الذي كان أهله يريدون فندرينا فتكسر ومات بعض أهله وسلم بعضهم، وكانت فيه جارية لبعض التجار عزيزة عليه، فرغب في إعطاء عشرة دنانير ذهبًا لمن يخرجها، وكانت قد التزمت خشبة في مؤخر الجنك، فانتدب لذلك بعض البحرية الهرمزيين فأخرجها، وأبى أن يأخذ الدنانير وقال: إنما فعلت ذلك لله تعالى.
ولما كان الليل رمى البحر بالجنك الذي كانت فيه الهدية فمات جميع من فيه، ونظرنا عند الصباح إلى مصارعهم، ورأيت ظهير الدين قد انشق رأسه وتناثر دماغه، والملك سنبل قد ضرب مسمار في أحد صدغيه، ونفذ من الآخر، وصلينا عليهما ودَفَنَّاهما، ورأيت الكافر سلطان قالقوط وفي وسطه شقة بيضاء كبيرة قد لفَّها من سرته إلى ركبته وفي رأسه عمامة صغيرة وهو حافي القدمين، والشطر بيد غلام فوق رأسه، والنار توقد بين يديه في الساحل، وزبانيته يضربون الناس؛ لئلا ينتهبوا ما يرمي البحر، وعادة بلاد المليبار أن كل ما انكسر من مركب يرجع ما يخرج منه للمخزن إلا في هذا البلد خاصة، فإن ذلك يأخذه أربابه؛ ولذلك عمرت، وكثر تردد الناس إليها، ولما رأى أهل الككم ما حدث على الجنك رفعوا قلعهم، وذهبوا ومعهم جميع متاعي وغلماني وجواري، وبقيت منفردًا على الساحل، ليس معي إلا فتًى كنت أعتقته، فلما رأى ما حل بي ذهب عني، ولَمْ يَبْقَ عندي إلا العشرة الدنانير التي أعطانيها الجوكي والبساط التي كنت أفترشه، وأخبرني الناس أن ذلك الككم لا بد له أن يدخل مرسى كولم، فعزمت على السفر إليها، وبينهما مسيرة عشر في البر أو في النهر أيضًا لمن أراد ذلك، فسافرت في النهر، واكتريت رجلًا من المسلمين يحمل لي البساط، وعادتهم إذا سافروا في ذلك النهر أن ينزلوا بالعشى، فيبيتوا بالقرى التي على حافتيه، ثم يعودوا إلى المركب بالغدو فكنا نفعل ذلك، ولم يكن بالمركب مسلم إلا الذي اكتريته، وكان يشرب الخمر عند الكفار إذا نزلنا ويعربد علي فيزيد تغيير خاطري، ووصلنا في اليوم الخامس من سفرنا إلى كنجي كرى، (وضبط اسمها بكاف مضموم ونون ساكن وجيم وياء مد وكاف مفتوح وراء مكسور وياء)، وهي بأعلى جبل هنالك يسكنها اليهود، ولهم أمير منهم، ويؤدون الجزية لسلطان كولم.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع