من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر نسائها
ونساؤها لا يغطين رءوسهن ولا سلطانتهم تغطي رأسها، ويمشطن شعورهن، ويجمعنها إلى جهة واحدة، ولا يلبس أكثرهن إلا فوطة واحدة تسترها من السرة إلى أسفل وسائر أجسادهن مكشوفة، وكذلك يمشين في الأسواق وغيرها، ولقد جهدت لما وُلِّيتُ القضاء بها أن أَقْطَعَ تلك العادة وآمرهن باللباس فلم أَسْتَطِعْ ذلك، فكنت لا تَدْخُل إلي منهن امرأة في خصومة إلا مستترة الجسد، وما عدا ذلك لم تكن لي عليه قدرة، ولباس بعضهن قمص زائدة على الفوطة، وقمصهن قصار الأكمام عراضها، وكان لي جَوَارٍ كسوتهن لباس أهل دهلي يغطين رءوسهن فعابهن ذلك أكثر مما زانهن إذ لم يتعوَّدْنَه، وحليهن الأساور تَجْعَل المرأة منها جملة في ذراعيها، بحيث تملأ ما بين الكوع والمرفق وهي من الفضة، ولا يجعل أساور الذهب إلا نساء السلطان وأقاربه، ولَهُنَّ الخلاخيل ويسمونها البايل (بباء موحدة وألف وياء آخر الحروف مكسورة)، وقلائد ذهب يجعلنها على صدورهن ويسمونها البسدر (بالباء الموحدة وسكون السين المهمل وفتح الدال المهمل والراء).
ومن عجيب أفعالهن أنهن يؤجرن أنفسهن للخدمة بالديار على عدد معلوم من خمسة دنانير فما دونها على مستأجرهن نفقتهن، ولا يرين ذلك عيبًا ويفعله أكثر بناتهم، فتجد في دار الإنسان الغني منهن العشرة والعشرين، وكل ما تكسره من الأواني يحسب عليها قيمته، وإذا أرادت الخروج من دار إلى دار أعطاها أهل الدار التي تخرج إليها العدد الذي هي مرتهنة فيه، فتدفعه لأهل الدار التي خرجت منها، ويبقى عليها للآخرين، وأكثر شغل هؤلاء المستأجرات غزل القنبر، والتزوج بهذه الجزائر سهل لنزارة الصداق وحسن معاشرة النساء وأكثر الناس لا يسمي صداقًا، إنما تقع الشهادة ويعطي صداق مثلها، وإذا قدمت المراكب تزوج أهلها النساء، فإذا أرادوا السفر طلقوهن، وذلك نوع من نكاح المتعة، وهن لا يخرجن عن بلادهن أبدًا، ولم أَرَ في الدنيا أحسن معاشرة منهن، ولا تَكَلُّ المرأة عندهم خدمةَ زوجها إلى سواها، بل هي تأتيه بالطعام، وترفعه من بين يديه، وتغسل يده وتأتيه بالماء للوضوء وتغم رجليه عند النوم، ومن عوائدهم ألَّا تأكل المرأة مع زوجها، ولا يَعْلَم الرجل ما تأكله المرأة، ولقد تَزَوَّجْتُ بها نسوة فأكل معي بعضهن بعد محاولة وبعضهن لم تأكل معي، ولا استطعْتُ أن أراها تأكل ولا نفعتني حيلة في ذلك.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع