من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر السبب في إسلام أهل هذه الجزائر وذكر العفاريت من الجن التي تضربها في كل شهر
حدثني الثقات من أهلها كالفقيه عيسى اليمني والفقيه المعلم علي والقاضي عبد الله وجماعة سواهم أن هذه الجزائر كانوا كفارًا، وكان يظهر لهم في كل شهر عفريت من الجن، يأتي من ناحية البحر كأنه مركب مملوء بالقناديل، وكانت عادتهم إذا رأوه أخذوا جارية بِكْرًا فزينوها وأدخلوها إلى بدخانة وهي بيت الأصنام، وكان مبنيًّا على ضفة البحر، وله طاق يُنْظَر إليه منه ويتركونها هنالك ليلة، ثم يأتون عند الصباح، فيجدونها مفتضة ميتة، ولا يزالون في كل شهر يقترعون بينهم، فمن أصابته القرعة أعطى بنته، ثم إنه قدم عليهم مغربي يسمى بأبي البركات البربري، وكان حافظًا للقرآن العظيم، فنزل بدار عجوز منهم بجزيرة المهل، فدخل عليها يومًا وقد جَمَعَتْ أهلها وهن يبكين كأنهن في مأتم، فاستفهمهن عن شأنهن، فلم يفهمنه، فأتى ترجمان فأخبره أن العجوز كانت القرعة عليها، وليس لها إلَّا بنت واحدة يقتلها العفريت، فقال لها أبو البركات: أنا أَتَوَجَّه عوضًا من بنتك بالليل، وكان سناطًا لا لحية له، فاحتملوه تلك الليلة، وأدخلوه إلى بدخانة وهو متوضئ، وأقام يتلو القرآن، ثم ظهر له العفريت من الطاق فداوم التلاوة، فلما كان منه بحيث يسمع القراءة غاص في البحر، وأصبح المغربي وهو يتلو على حاله، فجاءت العجوز وأهلها وأهل الجزيرة ليستخرجوا البنت على عادتهم فيحرقوها فوجدوا المغربي يتلو فمضوا به إلى مَلِكِهِمْ وكان يسمى شنورازة (بفتح الشين المعجم وضم النون وواو وراء وألف وزاي وهاء)، وأعلموه بخبره، فعجب منه، وعَرَضَ المغربي عليه الإسلام ورَغَّبَه فيه فقال له: أَقِمْ عندنا إلى الشهر الآخر فإن فَعَلْتَ كفِعْلِكَ ونجوت من العفريت أَسْلَمْتُ، فأقام عندهم.
وشرح الله صدر الملك للإسلام فأسلم قبل تمام الشهر، وأسلم أهله وأولاده وأهل دولته، ثم حُمِلَ المغربي لما دخل الشهر إلى بدخانة ولم يأتِ العفريت، فجعل يتلو حتى الصباح، وجاء السلطان والناس معه، فوجدوه على حاله من التلاوة، فكسروا الأصنام وهدموا بدخانة، وأسلم أهل الجزيرة، وبعثوا إلى سائر الجزائر، فأسلم أهلها، وأقام المغربي عندهم مُعَظَّمًا وتمذهبوا بمذهبه — مذهب الإمام مالك رضي الله عنه — وهم إلى هذا العهد يعظمون المغاربة بسببه، وبنى مسجدًا هو معروف باسمه، وقرأت على مقصورة الجامع منقوشًا في الخشب أسلم السلطان أحمد شنورازة على يد أبي البركات البربري المغربي، وجعل ذلك السلطان ثلث مجابي الجزائر صدقة على أبناء السبيل؛ إذ كان إسلامه بسببهم، فسُمِّيَ على ذلك حتى الآن، وبسبب هذا العفريت خرب من هذه الجزائر كثير قبل الإسلام، ولما دخلناها لم يكن لي علم بشأنه، فبينا أنا ليلة في بعض شأني؛ إذ سمعت الناس يجهرون بالتهليل والتكبير ورأيت الأولاد وعلى رءوسهم المصاحف والنساء يضربون يضربن في الطسوت وأواني النحاس، فعجبت من فعلهم، وقلت: ما شأنكم؟ فقالوا: ألا تنظر إلى البحر؟! فنظرت فإذا مثل المركب الكبير وكأنه مملوء سرجًا ومشاعل، فقالوا: ذلك العفريت، وعادته أن يظهر مرة في الشهر، فإذا فعلنا ما رأيت انصرف عنا ولم يَضُرَّنا.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع