تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر أهل هذه الجزائر وبعض عوائدهم وذكر مساكنهم

وأهل هذه الجزائر أهل صلاح وديانة وإيمان صحيح ونية صادقة أكلهم حلال ودعاؤهم مجاب، وإذا رأى الإنسان أحدهم قال له: الله ربي، ومحمد نبيي، وأنا أمي مسكين وأبدانهم ضعيفة، ولا عهد لهم بالقتال والمحاربة وسلاحهم الدعاء، ولقد أمرت مرة بقطع يد سارق بها، فغشي على جماعة منهم كانوا بالمجلس، ولا تطرقهم لصوص الهند ولا تذعرهم؛ لأنهم جربوا أن من أخذ لهم شيئًا أصابته مصيبة عاجلة، وإذا أتت أجفان العدو إلى ناحيتهم أخذوا من وجدوا من غيرهم، ولم يتعرضوا لأحد منهم بسوء، وإن أَخَذَ أحد الكفار ولو ليمونة عاقَبَه أمير الكفار وضَرَبَه الضرب المبرح خوفًا من عاقبة ذلك، ولولا هذا لكانوا أهون الناس على قاصدهم بالقتال لضعف بنيتهم، وفي كل جزيرة من جزائرهم المساجد الحسنة وأكثر عمارتهم بالخشب، وهم أهل نظافة وتنزُّه عن الأقذار وأكثرهم يغتسلون مرتين في اليوم تنظفًا لشدة الحر بها وكثرة العرق، ويكثرون من الأدهان العطرية كالصندلية وغيرها، ويتلطخون بالغالية المجلوبة من مقدشو، ومن عادتهم أنهم إذا صلوا الصبح أتت كل امرأة إلى زوجها أو ابنها بالمكحلة وبماء الورد ودهن الغالية فيكحل عينيه ويدهن بماء الورد ودهن الغالية، فتصقل بشرته، وتزيل الشحوب عن وجهه، ولباسهم فوط يشدون الفوطة منها على أوساطهم عوض للسراويل، ويجعلون على ظهورهم ثياب الوليان (بكسر الواو وسكون اللام وياء آخر الحروف)، وهي شبه الأحاريم، وبَعْضُهم يجعل عمامة وبعضهم منديلًا صغيرًا عوضًا منها.

وإذا لقي أحدهم القاضي أو الخطيب وَضَعَ ثوبه عن كتفيه وكَشَفَ ظهره، ومضى معه كذلك حتى يصل إلى منزله، ومن عوائدهم أنه إذا تَزَوَّجَ الرجل منهم ومضى إلى دار زوجته بَسَطَتْ له ثياب القطن من باب دارها إلى باب البيت، وجعل عليها غرفات من الودع عن يمين طريقه إلى البيت وشماله، وتكون المرأة واقفة عند باب البيت تنتظره، فإذا وَصَلَ إليها رَمَتْ على رجليه ثوبًا يأخذه خدامه، وإن كانت المرأة هي التي تأتي إلى منزل الرجل بسطت داره، وجعل فيها الودع، ورمت المرأة عند الوصول إليه الثوب على رجليه، وكذلك عادتهم في السلام على السلطان عندهم، لا بُدَّ من ثوب يرمى عند ذلك وسنذكره، وبنيانهم بالخشب، ويجعلون سطوح البيوت مرتفعة عن الأرض توقيًا من الرطوبات؛ لأن أرضهم ندية، وكيفية ذلك أن ينحتوا حجارة يكون طول الحجر منها ذراعين أو ثلاثة، ويجعلونها صفوفًا ويعرضون عليها خشب النارجيل، ثم يصنعون الحيطان من الخشب، ولهم صناعة عجيبة في ذلك، ويبنون في أسطوان الدار بيتًا يسمونه المالم (بفتح اللام)، يجلس الرجل به مع أصحابه، ويكون له بابان؛ أحدهما إلى جهة الأسطوان يدخل منه الناس، والآخر إلى جهة الدار يدخل منه صاحبها، ويكون عند هذا البيت خابية مملوءة ماء، ولها مستقى يسمونه الوانج (بفتح الواو واللام وسكون النون وجيم)، هو من قشر جوز النارجيل، وله نصاب طوله ذراعان، وبه يسقون الماء من الآبار لقربها، وجميعهم حفاة الأقدام من رفيع ووضيع وأزقتهم مكنوسة نقية تظللها الأشجار، فالماشي بها كأنه في بستان.

ومع ذلك لا بد لكل داخل إلى الدار أن يغسل رجليه بالماء الذي في الخالبية بالمالم، ويمسحها بحصير غليظ من الليف يكون هنالك، ثم يدخل بيته وكذلك يفعل كل داخل إلى المسجد، ومن عوائدهم إذا قدم عليهم مركب أن تخرج إليه الكنادر وهي القوارب الصغار واحدها كندرة (بضم الكاف والدال)، وفيها أهل الجزيرة معهم التنبول والكزنبة وهي جوز النارجيل الأخضر، فيعطي الإنسان منهم ذلك لمن شاء من أهل المركب ويكون نزيله، ويحمل أمتعته إلى داره كأنه بعض أقربائه، ومن أراد التزوج من القادمين عليهم تزوج، فإذا حان سفره طلق المرأة؛ لأنهن لا يخرجن عن بلادهن، ومن لم يتزوج فالمرأة التي ينزل بدارها تطبخ له وتخدمه وتزوده إذا سافر وترضى منه في مقابلة ذلك بأيسر شيء من الإحسان وفائدة المخزن ويسمونه البندر أن يشتري من كل سلعة بالمركب حظًّا بسوم معلوم سواء كانت السلعة تساوي ذلك أو أكثر منه ويسمونه شرع البندر، ويكون للبندر بيت في كل جزيرة من الخشب يسمونه البجنصار (بفتح الباء الموحدة والجيم وسكون النون وفتح الصاد المهمل وآخره راء)، يجمع به الوالي وهو الكردوري جميع سلعه ويبيع بها ويشرى، وهم يشترون الفخار إذا جلب إليهم بالدجاج فتباع عندهم القدر بخمس دجاجات وست، وتحمل المراكب من هذه الجزائر السمك الذي ذكرناه وجوز النارجيل والقوط والوليان والعمائم وهي من القطن، ويحملون منها أواني النحاس، فإنها عندهم كثيرة، ويحملون الودع ويحملون القنبر (بفتح القاف وسكون النون وفتح الباء الموحدة والراء)، وهو ليف جوز النارجيل، وهم يدبغونه في حفر على الساحل، ثم يضربونه بالمرازب، ثمَّ يغزله النساء، وتُصْنَع منه الحبال لخياطة المراكب، وتُحْمَل إلى الصين والهند واليمن وهو خير من القنب.

وبهذه الحبال تخاط مراكب الهند واليمن؛ لأن ذلك البحر كثير الحجارة، فإن كان المركب مسمرًا بمسامير الحديد صدم الحجارة فانكسروا، إذا كان مخيطًا بالحبال أعطى الرطوبة فلم ينكسر، وصرف أهل هذه الجزائر الودع، وهو حيوان يلتقطونه في البحر، ويضعونه في حفر هنالك، فيذهب لحمه ويبقى عظمه أبيض، ويسمون المائة منه سياه (بسين مهمل وياء آخر الحروف)، ويُسَمُّون السبعمائة منه الفال (بالفاء)، ويُسَمُّون الاثني عشر ألفًا منه الكتي (بضم الكاف وتشديد التاء المعلوة)، ويسمون المائة ألف منه بستو (بضم الباء الموحدة والتاء المعلوة وبينهما سين مهمل)، ويباع بها بقيمة أربعة بساتي بدينار من الذهب وربما رخص حتى يباع عشر بساتي منه بدينار ويبيعونه من أهل بنجالة بالأرز وهو أيضًا صرف أهل بلاد بنجالة، ويبيعونه من أهل اليمن، فيجعلونه عوض الرمل في مراكبهم، وهذا الودع أيضًا هو صرف السودان في بلادهم، رأيته يباع بمالي وجوجو بحساب ألف ومائة وخمسين للدينار الذهبي.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.