من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر العيد الذي شَاهَدْتُه معهم
ولما تم شهر رمضان بعث الوزير إلي بكسوة، وخرجنا إلى المصلى، وقد زُيِّنَت الطريق التي يمر الوزير عليها من داره إلى المصلى، وفُرِشَت الثياب فيها، وجُعِلَتْ كتاتي الودع يُمْنة ويُسْرة، وكل من له على طريقه دار من الأمراء والكبار قد غرس عندها النخل الصغار من النارجيل وأشجار الفوفل والموز ومدم من شجر إلى أخرى شرائط، وعلق منها الجوز الأخضر، ويقف صاحب الدار عند بابها، فإذا مر الوزير يرمي على رجليه ثوبًا من الحرير أو القطن، فيأخذها عبيده مع الودع الذي يجعل على طريقه أيضًا والوزير ماش على قدميه وعليه فرجية مصرية من المرعز وعمامة كبيرة وهو متقلد فوطة حرير، وفوق رأسه أربعة شطور، وفي رجليه النعل، وجميع الناس سواه حفاة، والأبواق والأنفار والأطبال بين يديه والعساكر أمامه وخلفه، وجميعهم يكبرون حتى أتوا المصلى، فخطب ولده بعد الصلاة، ثم أتي بمحفة فركب فيها الوزير، وخدم له الأمراء والوزراء، ورموا بالثياب على العادة، ولم يكن ركب في المحفة قبل ذلك؛ لأن ذلك لا يفعله إلا الملوك، ثم رفعه الرجال وركبت فرسي ودخلنا القصر، فجلس بموضع مرتفع وعنده الوزراء والأمراء، ووقف العبيد بالترسة والسيوف والعصى، ثم أتي بالطعام ثم الفوفل والتنبول، ثم أتي بصحفة صغيرة فيها الصندل المقاصري، فإذا أكلت جماعة من الناس تلطخوا بالصندل، ورأيت على بعض طعامهم يومئذٍ حوتًا من السرذين مملوحًا غير مطبوخ، أهدي لهم من كولم وهو من بلاد المليبار كثير، فأخذ الوزير بسرذينة، وجعل يأكلها، وقال لي: كل منه، فإنه ليس ببلادنا، فقلت: كيف أكله وهو غير مطبوخ فقال: إنه مطبوخ، فقلت: أنا أعرف به فإنه ببلادي كثير.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع