تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر تغيره وما أردته من الخروج ومقامي بعد ذلك

وكان الوزير سليمان مانايك قد بعث إليَّ أن أتزوج بنته، فبعثت إلى الوزير جمال الدين مستأذنًا في ذلك، فعاد إليَّ الرسول، وقال: لم يعجبه ذلك، وهو يحب أن يزوجك بِنْتَه إذا انقضت عدتها، فأبيت أنا ذلك، وخفت من شؤمها؛ لأنه مات تحتها زوجان قبل الدخول، وأصابتني أثناء ذلك حمَّى مرضت بها، ولا بد لكل من يدخل تلك الجزيرة أن يُحَمَّ فقوي عزمي على الرحلة عنها، فبعث بعض الحلي بالودع، واكتريت مركبًا أسافر فيه لبنجالة، فلما ذهبت لوداع الوزير خرج إليَّ القاضي فقال الوزير: يقول لك إن شئت السفر فأَعْطِنَا ما أعطيناك وسافِرْ، فقلت له: إنَّ بعض الحلي اشتريت به الودع فشأنكم وإياه، فعاد إليَّ فقال: يقول إنما أعطيناك الذهب ولم نُعْطِكَ الودع، فقُلْتُ له: أنا أبيعه وآتيكم بالذهب، فبَعَثْتُ إلى التجار ليشتروه مني، فأَمَرَهُم الوزير ألَّا يفعلوا، وقَصْدُه بذلك كله أَلَّا أسافر عنه، ثم بعث إلي أحد خواصه، وقال الوزير يقول لك أقم عندنا ولك كل ما أحببت، فقلت في نفسي: أنا تحت حكمهم، وإن لم أقم مختارًا أقمت مضطرًّا، فالإقامة باختياري أولى، وقلت لرسوله: نعم أنا أقيم معه، فعاد إليه ففرح بذلك واستدعاني، فلما دخلت إليه قام إلي وعانقني وقال: نحن نريد قربك، وأنت تريد البعد عنا، فأعذرت له فقبل عذري وقلت له: إن أردتم مقامي فأنا أشترط عليكم شروطًا فقال نقبلها فاشترط، فقلت له أنا لا أستطيع المشي على قدمي، ومن عادتهم ألَّا يركب أحد هنالك إلَّا الوزير.

ولقد كنت لما أعطوني الفرس فركبته يتبعني الناس رجالًا وصبيانًا، يعجبون مني حتى شكوت له فضربت الدنقرة، وبرح في الناس ألَّا يتبعني أحد والدنقرة (بضم الدال المهمل وسكون النون وضم القاف وفتح الراء)، شبه الطست من النحاس تضرب بحديدة، فيسمع لها صوت على البعد، فإذا ضربوها حينئذٍ يبرح في الناس بما يراد، فقال لي الوزير: إن أردت أن تركب الدولة، وإلا فعندنا حصان ورمكة، فاختر أيهما شئت، فاخترت الرمكة، فأتوني بها في تلك الساعة، وأتوني بكسوة، فقلت له: وكيف أصنع بالودع الذي اشتريته فقال: ابعث أحد أصحابك ليبيعه لك ببنجالة، فقلت له: على أن تبعث أنت من يعينه على ذلك، فقال: نعم، فبعث حينئذٍ رفيقي أبا محمد بن فرحان، وبعثوا معه رجلًا يسمى الحاج عليًّا، فاتفق أن هال البحر فرموا بكل ما عندهم حتى الزاد والماء والصاري والقرية، وأقاموا ست عشرة ليلة لا قلع لهم ولا سكان ولا غيره، ثم خرجوا إلى جزيرة سيلان بعد جوع وعطش وشدائد، وقدم علي صاحبي أبو محمد بعد سنة، وقد زار القدم وزارها مرة ثانية معي.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.