من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر تزوجي وولايتي القضاء
وفي الثاني من شوال اتفقت مع الوزير سليمان مانايك على تزوج بنته، فبعثت إلى الوزير جمال الدين أن يكون عقد النكاح بين يديه بالقصر فأجاب إلى ذلك، وأحضر التنبول على العادة والصندل وحضر الناس، وأبطأ الوزير سليمان فاستدعي فلم يأت، ثم استدعي ثانية فاعتذر بمرض البنت، فقال لي الوزير سرًّا: إنَّ بنته امتنعت وهي مالكة أمر نفسها والناس قد اجتمعوا، فهل لك أن تتزوج بربيبة السلطان زوجة أبيها وهي التي ولده متزوج بنتها؟ فقلت له: نعم، فاستدعى القاضي والشهود ووقعت الشهادة ودفع الوزير الصداق ورفعت إلى بعد أيام، فكانت من خيار النساء، وبلغ حسن معاشرتها أنها كانت إذا تزوجت عليها تطيبني وتبخر أثوابي وهي ضاحكة لا يظهر عليها تغير، ولما تزوجتها أكرهني الوزير على القضاء وسببه ذلك اعتراضي على القاضي لكونه كان يأخذ العشر من التركات؛ إذا قسمها على أربابها فقلت له: إنما لك أجرة تنفق بها مع الورثة، ولم يكن يحسن شيئًا، فلما وليت اجتهدت جهدي في إقامة رسوم الشرع، وليست هنالك خصومات كما هي ببلادنا، فأول ما غيرت من عوائد السوء مكث المطلقات في ديار المطلقين، وكانت إحداهن لا تزال في دار المطلق حتى تتزوج غيره فحسمت علة ذلك، وأتي إلي بنحو خمسة وعشرين رجلًا ممن فعل ذلك فضربتهم وشهرتهم بالأسواق، وأخرجت النساء عنهم، ثم اشتددت في إقامة الصلوات، وأمرت الرجال بالمبادرة إلى الأزقة والأسواق إثر صلاة الجمعة فمن وجدوه لم يصل ضربته وشهرته وألزمت الأئمة والمؤذنين أصحاب المرتبات المواظبة على ما هم بسبيله، وكتبت إلى جميع الجزائر بنحو ذلك، وجهدت أن أكسو النساء فلم أقدر على ذلك.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع