تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر سلطان سيلان

واسمه أَيْرِي شَكَرْوَتِي (بفتح الهمزة وسكون الياء وكسر الراء، ثمَّ ياء وشين معجم مفتوح وكاف مثله وراء مسكنة وواو مفتوح وتاء معلوة مكسورة وياء)، وهو سلطان قوي في البحر، رأيت مرة وأنا بالمعبر مائة مركب من مراكبه بين صغار وكبار، وصلت إلى هنالك، وكانت بالمرسى ثمانية مراكب للسلطان برسم السفر إلى اليمن، فأمر السلطان بالاستعداد، وحشد الناس لحماية أجفانه، فلما يئسوا من انتهاز الفرصة فيها قالوا: إنما جئنا في حماية مراكب لنا تسير أيضًا إلى اليمن، ولما ودخلت على هذا السلطان الكافر قام إلي وأجلسني إلى جانبه، وكلمني بأحسن كلام، وقال: ينزل أصحابك على الأمان، ويكونون في ضيافتي إلى أن يسافروا، فإن سلطان المعبر بيني وبينه الصحبة، ثم أمر بإنزالي فأقمت عنده ثلاثة أيام في إكرام عظيم متزايد في كل يوم، وكان يفهم اللسان الفارسي، ويعجبه ما أحدثه به عن الملوك والبلاد.

ودخلت عليه يومًا وعنده جواهر كثيرة أتى بها من مغاص الجوهر الذي ببلاده، وأصحابه يميزون النفيس منها من غيره، فقال لي: هل رأيت مغاص الجوهر في البلاد التي جئت منها؟ فقلت له: نعم رأيته بجزيرة قيس وجزيرة كش التي لابن السواملي، فقال سمعت بها، ثم أخذ حبات منه، فقال: أيكون في تلك الجزيرة مثل هذه؟ فقلت له: رأيت ما هو دونها فأعجبه ذلك وقال: هي لك، وقال لي: لا تستحي واطلب مني ما شئت، فقلت له: ليس مرادي منذ وصلت هذه الجزيرة إلا زيارة القدم الكريمة قدم آدم عليه السلام وهم يسمونه «بابا» ويسمون حواء «ماما»، فقال هذا هين، نبعث معك من يوصلك، فقلت: ذلك أريد، ثم قلت له: وهذا المركب الذي جئت فيه يسافر آمنًا إلى المعبر، وإذا عدت أنا بعثتني في مراكبك، فقال: نعم، فلما ذكرت ذلك لصاحب المركب قال لي: لا أسافر حتى تعود، ولو أقمت سنة بسببك، فأَخْبَرْتُ السلطان بذلك فقال: يقيم في ضيافتي حتى تعود، فأعطاني دولة يحملها عبيده على أعنقاهم، وبعث معي أربعة من الجوكية الذين عادتهم السفر كل عام إلى زيارة القدم وثلاثة من البراهمة وعشرة من سائر أصحابه وخمسة عشر رجلًا يحملون الزاد، وأما الماء فهو بتلك الطريق كثير، ونزلنا ذلك اليوم على وادٍ جُزْنَاه في معدية مصنوعة من قصب الخيزران، ثم رحلنا من هنالك إلى منار مندلي (وضبط ذلك بفتح الميم والنون وألف وراء مسكنة وميم مفتوح ونون مسكن ودال مهمل مفتوح ولام مكسور وياء)، مدينة حسنة هي آخر عمالة السلطان، أضافنا أهلها ضيافة حسنة، وضيافتهم عجول الجواميس يصطادونها بغابة هنالك، ويأتون بها أحياء، ويأتون بالأرز والسمن والحوت والدجاج واللبن.

ولم نر بالمدينة مسلمًا غير رجل خراساني انقطع بسبب مرضه فسافر معنا، ورحلنا إلى بندر سلاوات (وضبطه بفتح الباء الموحدة وسكون النون وفتح الدال المهمل وسكون الراء وفتح السين المهمل واللام والواو وألف وتاء معلوة) بلدة صغيرة، وسافرنا منها في أوعار كثيرة المياه وبها الفِيَلة الكثيرة، إلا أنها لا تؤذي الزوار الغرباء، وذلك ببركة الشيخ أبي عبد الله بن خفيف رحمه الله، وهو أول من فتح هذا الطريق إلى زيارة القدم، وكان هؤلاء الكفار يمنعون المسلمين من ذلك ويؤذونهم ولا يؤاكلونهم ولا يبايعونهم، فلما اتفق للشيخ أبي عبد الله ما ذكرناه في السفر الأول مِنْ قَتْل الفيلة لأصحابه وسلامته من بينهم وحمل الفيل له على ظَهْره، صار الكفار من ذلك العهد يُعَظِّمون المسلمين، ويُدْخِلونهم دورهم، ويُطْعِمون معهم، ويطمئنون لهم بأهلهم وأولادهم، وهم إلى الآن يعظمون الشيخ المذكور أَشَدَّ تعظيم ويسمونه الشيخ الكبير، ثم وصلنا بعد ذلك إلى مدينة كنكار (وضبط اسمها بضم الكاف الأولى وفتح النون والكاف الثانية وآخره راء)، وهي حضرة السلطان الكبير بتلك البلاد، وبناؤها في خندق بين جبلين على خور كبير يسمى خور الياقوت؛ لأن الياقوت يوجد به، وبخارج هذه المدينة مسجد الشيخ عثمان الشيرازي المعروف بشاوش (بشينين معجمين بينهما واو مضموم)، وسلطان هذه المدينة وأهلها يزورونه ويعظمونه وهو كان الدليل إلى القدم، فلما قطعت يده ورجله صار الأدلاء أولاده وغلمانه؛ وسبب قطعه أنه ذبح بقرة وحكم كفار الهنود أنه من ذبح بقرة ذبح كمثلها أو جعل في جلدها وحرق، وكان الشيخ عثمان معظمًا، فقطعوا يده ورجله وأعطوه مجبى بعض الأسواق.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.