من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر جبل سرنديب
وهو من أعلى جبال الدنيا، رأيناه من البحر، وبيننا وبينه مسيرة تِسْع، ولما صعدناه كنا نرى السحاب أسفل منا قد حال بيننا وبين رؤية أسفله، وفيه كثير من الأشجار التي لا يسقط لها ورق والأزاهير الملونة والورد الحمر على قَدْر الكف، ويزعمون أن في ذلك الورد كتابة يُقْرَأ منها اسم الله تعالى واسم رسوله عليه الصلاة والسلام، وفي الجبل طريقان إلى القدم؛ أحدهما يُعْرَف بطريق «بابا» والآخر بطريق «ماما» يعنون آدم وحواء عليهما السلام، فأما طريق ماما فطريق سهل عليه يرجع الزوار إذا رجعوا ومن مضى عليه، فهو عندهم كمن لم يزر، وأما طريق بابا فصعب وعر المرتقى، وفي أسفل الجبل حيث دروازته مغارة تُنْسَب أيضًا للإسكندر وعين ماء، ونحت الأولون في الجبل شبه درج يصعد عليها وغرزوا فيها أوتاد الحديد، وعلقوا منها السلاسل ليتمسك بها من يصعده، وهي عشر سلاسل؛ ثنتان في أسفل الجبل حيث الدروازة، وسبع متوالية بعدها، والعاشرة هي سلسلة الشهادة؛ لأن الإنسان إذا وصل إليها، ونظر إلى أسفل الجبل أدركه الوهم، فيتشهد خوف السقوط، ثم إذا جاوزْتَ هذه السلسلة وجدت طريقًا مهملًا، ومن السلسلة العاشرة إلى مغارة الخضر سبعة أميال، وهي في موضع فسيح عندها عين ماء تُنْسَب إليه أيضًا ملأى بالحوت، ولا يصطاده أحد، وبالقرب منها حَوْضان منحوتان في الحجارة عن جنبتي الطريق، وبمغارة الخضر يترك الزوار ما عندهم، ويصعدون منها ميلين إلى أعلى الجبل حيث القدم.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع