تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر دخولنا إلى داره وإحسانه إلينا

ولما قصدنا إلى دار السلطان وجدنا بالقرب منه رماحًا مركوزة عن جانبي الطريق، وهي علامة على نزول الناس، فلا يتجاوزها من كان راكبًا، فنزلنا عندها ودخلنا المشور، فوجدنا نائب السلطان وهو يسمى عمدة الملك، فقام إلينا وسلَّم علينا وسلامهم بالمصافحة، وقعدنا معه، وكتب بطاقة إلى السلطان يعلمه بذلك وختمها ودفعها لبعض الفتيان، فأتاه الجواب على ظهرها، ثم جاء أحد ببقشة والبقشة (بضم الباء الموحدة وسكون القاف وفتح الشين المعجم) هي السبنية، فأخذها النائب بيده وأخذ بيدي، وأدخلني إلى دويرة يسمونها فردخانة على وزن زردخانة (إلا أن أولها فاء)، وهي موضع راحته بالنهار، فإن العادة أن يأتي السلطان إلى المشور بعد الصبح، ولا ينصرف إلا بعد العشاء الآخرة، وكذلك الوزراء والأمراء الكبار، وأخرج من البقشة ثلاث فوط، إحداها من خالص الحرير، والأخرى حرير وقطن، وأخرى حرير وكتان، وأخرج ثلاث أثواب يسمونها التحتانيات من جنس الفوط، وأخرج ثلاثة من الثياب مختلفة الأجناس تسمى الوسطانيات وأخرج ثلاثة أثواب من الأرمك أحدها أبيض، وأخرج ثلاث عمائم، فلبست فوطة منها عوض السراويل على عادتهم، وثوبًا من كل جنس، وأخذ أصحابي ما بقي منها، ثم جاءوا بالطعام أكثره الأرز، ثم أتوا بنوع من الفقاع، ثم أتوا بالتنبول وهو علامة الانصراف، فأخذناه وقمنا وقام النائب لقيامنا، وخرجنا عن المشور فركبنا وركب النائب معنا، وأتوا بنا إلى بستان عليه حائط خشب، وفي وسطه دار بناؤها بالخشب مفروشة بقطائف قطن يسمونها المخملات (بالميم والخاء المعجم)، ومنها مصبوغ وغير مصبوغ.

وفي البيت أَسِرَّة من الخيرزان، فوقها مضربات من الحرير ولحف خفاف ومخاد يسمونها البوالشت، فجلسنا بالدار ومعنا النائب، ثم جاء الأمير دولسة بجاريتين وخادمين، وقال لي: يقول لك السلطان هذه على قدرنا لا على قدر السلطان محمد، ثم خرج النائب وبقي الأمير دولسة عندي، وكانت بيني وبينه معرفة؛ لأنه كان ورد رسولًا على السلطان بدهلي، فقلت له: متى تكون رؤية السلطان؟ فقال لي: إن العادة عندنا ألَّا يسلم القادم على السلطان إلا بعد ثلاثة ليذهب عنه تعب السفر ويثوب إليه ذهنه، فأقمنا ثلاثة أيام يأتي إلينا الطعام ثلاث مرات في اليوم، وتأتينا الفواكه والطرف مساء وصباحًا، فلما كان اليوم الرابع — وهو يوم الجمعة — أتاني الأمير دولسة فقال لي: يكون سلامك على السلطان بمقصورة الجامع بعد الصلاة، فأتيت المسجد وصليت به الجمعة مع حاجبه قيران (بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء)، ثم دخلت إلى السلطان، فوجدت القاضي أمير سيد والطلبة عن يمينه وشماله فصافحني وسلمت عليه، وأجلسني عن يساره، وسألني عن السلطان محمد وعن أسفاري فأجبته، وعاد إلى المذاكرة في الفقه على مذهب الشافعي، ولم يزل كذلك إلى صلاة العصر، فلما صلاها دخل بيتًا هنالك، فنزع الثياب التي كانت عليه، وهي ثياب الفقهاء، وبها يأتي المسجد يوم الجمعة ماشيًا، ثم لبس ثياب الملك وهي الأقبية من الحرير والقطن.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.