من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر سلطانها (١٢)
وكانت تونس في إيالة مولانا أمير المسلمين، وناصر الدين المجاهد في سبيل رب العالمين، عَلَم الأعلام، وأوحد الملوك الكرام، أسد الآساد، وجواد الأجواد، القانت الأوَّاب، الخاشع العادل، أبي الحسن ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، ناصر دين الإسلام، الذي سارت الأمثال بجوده، وشاع في الأقطار أَثَرُ كرمه وفضله، ذي المناقب والمفاخر والفضائل والمآثر الملك العادل الفاضل أبي سعيد ابن مولانا أمير المسلمين، وناصر الدين المجاهد في سبيل رب العالمين، قاهر الكفار ومبيدها، ومبدئ آثار الجهاد ومعيدها، ناصر الإيمان الشديد السطوة في ذات الرحمان، العابد الزاهد الراكع الساجد الخاشع الصالح، أبي يوسف بن عبد الحق — رضي الله عنهم أجمعين — وأبقى الملك في عقبهم إلى يوم الدين، ولما وصلت تونس، قصدت الحاج أبا الحسن الناميسي، لما بيني وبينه من مَودَّاتِ القرابة والبلدية، فأنزلني بداره، وتوجَّهَ معي إلى المشور، فدخلت المشور الكريم، وقبَّلتُ يد مولانا أبي الحسن — رضي الله عنه — وأمرني بالقعود فقعدت، وسألني عن الحجاز الشريف وسلطان مصر فأجبته، وسألني عن ابن تيفراجين فأخبرته بما فعلت المغاربة معه وإرادتهم قتله بالإسكندرية، وما لقيَ من إذايتهم، انتصارًا منهم لمولانا أبي الحسن — رضي الله عنه.
وكان في مجلسه من الفقهاء الإمام أبو عبد الله السمطي والإمام أبو عبد الله محمد بن الصباغ، ومن أهل تونس قاضيها أبو علي عمر بن عبد الرفيع، وأبو عبد الله بن هارون، وانصرفت عن المجلس الكريم، فلمَّا كان بعد العصر استدعاني مولانا أبو الحسن، وهو ببرج يشرف على موضع القتال، ومعه الشيوخ الجلة، أبو عمر وعثمان بن عبد الواحد التنالفتي وأبو حسون زيان بن أمريون العلوي وأبو زكرياء يحيى بن سليمان العسكري والحاج أبو الحسن الناميسي، فسألني عن ملك الهند فأجبته عما سأل، ولم أزل أتردَّد إلى مجلسه الكريم أيام إقامتي بتونس، وكانت ستة وثلاثين يومًا، ولقيت بتونس إذ ذاك الشيخ الإمام خاتمة العلماء وكبيرهم، أبا عبد الله الأبلي وكان في فِراشِ المرض، وباحثني عن كثير من أمور رحلتي، ثم سافرت من تونس في البحر مع القطلانيين، فوصلنا إلى جزيرة سردانية من جُزُرِ الروم، ولها مَرْسًى عجيب، عليه خشب كبار دائرة به، وله مدخل كأنه باب لا يُفتحُ إلا بإذن منهم، وفيها حصون دخلنا أحدها، وبه أسواق كثيرة، ونذرت لله تعالى إن خلَّصنا الله منها صوم شهرين متتابعين؛ لأننا تَعَرَّفْنَا أن أهلها عازمون على اتباعنا إذا خرجنا عنها ليأسرونا، ثم خرجنا عنها، فوصلنا بعد عشر إلى مدينة تنس، ثم إلى مازونة، ثم إلى مستغانم، ثم إلى تلمسان، فقصدت العُبَّاد.
وزرت الشيخ أبا مدين — رضي الله عنه ونفع به — ثمَّ خرجت عنها على طريق مدرومة، وسلكت طريق أخندقان، وبتُّ بزاوية الشيخ إبراهيم، ثم سافرنا منها، فبينما نحن بقرب أزغنغان إذ خرج علينا خمسون راجلًا وفارسان، وكان معي الحاج ابن قريعات الطنجي وأخوه محمد المستشهد بعد ذلك في البحر، فعزمنا على قتالهم، ورفعنا علمًا، ثم سالمونا وسالمناهم والحمد لله، ووصلت إلى مدينة تازي، وبها تَعَرَّفْتُ خبر موت والدتي بالوباء — رحمها الله تعالى — ثم سافرت عن تازي فوصلت يوم الجمعة في أواخر شهر شعبان المكرم من عام خمسين وسبعمائة إلى حضرة فاس، فمثلت بين يدي مولانا الأعظم، الإمام الأكرم، أمير المؤمنين، المتوكل على رب العالمين، أبي عنان — وصل الله علوه وكبت عدوه — فأنستني هيبته هيبة سلطان العراق، وحُسْنُه حسن ملك الهند، وحسن أخلاقه حسن خلق ملك اليمن، وشجاعته شجاعة ملك الترك، وحلمه حلم ملك الروم، وديانته ديانة ملك تركستان، وعلمه علم ملك الجاوة، وكان بين يديه وزيره الفاضل، ذو المكارم الشهيرة، والمآثر الكثيرة، أبو زيان ابن ودرار، فسألني عن الديار المصرية، إذ كان قد وصل إليها، فأجبته عما سأل، وغمرني من إحسان مولانا أيَّدهُ الله تعالى بما أعجزني شكره، والله ولي مكافأته، وألقيت عصى التسيار ببلاده الشريفة بعد أن تحققت بفضل الإنصاف أنها أحسن البلدان؛ لأن الفواكه بها متيسرة، والمياه والأقوات غير متعذرة، وقَلَّ إقليم يجمع ذلك، ولقد أحسن من قال (مجتث):
الغرب أحسن أرضولي دليل عليه
البدر يرقب منهوالشمس تسعى إليه
ودراهم الغرب صغيرة وفوائدها كثيرة، وإذا تأمَّلتَ أسعاره مع أسعار ديار مصر والشام ظهر لك الحق في ذلك، ولاح فضل بلاد المغرب، فأقول: إنَّ لحوم الأغنام بديار مصر تُباعُ بحساب ثماني عشرة أوقية بدرهم نقرة، والدرهم النقرة ستة دراهم من دراهم المغرب، وبالمغرب يباع اللحم إذا غلا سعره ثماني عشرة أوقية بدرهمين، وهما ثلث النقرة، وأما السَّمنُ فلا يوجد بمصر في أكثر الأوقات، والذي يستعمله أهل مصر من أنواع الإدام لا يُلتفتُ إليه بالمغرب، ولأن أكثر ذلك العدس والحمص يطبخونه في قدور راسيات، ويجعلون عليه السيرج والبسلا، وهو صنف من الجلبان، يطبخونه ويجعلون عليه الزيت والقرع يطبخونه ويخلطونه باللبن، والبقلة الحمقاء يطبخونها كذلك، وأعلا أغصان اللوز يطبخونها ويجعلون عليها اللبن، والقلقاس يطبخونه وهذا كله متيسرٌ بالمغرب، لكن أغنى الله عنه بكثرة اللحم والسمن والزبد والعسل وسوى ذلك.
وأما الخُضَر فهي أقل الأشياء ببلاد مصر، وأما الفواكه فأكثرها مجلوبة من الشام، وأما العنب فإذا كان رخيصًا بيع عندهم ثلاثة أرطال من أرطالهم بدرهم نقرة، ورطلهم ثنتا عشرة أوقية، وأما بلاد الشام فالفواكه بها كثيرة، إلا أنها ببلاد الغرب أرخص منها ثمنًا، فإن العنب يُباعُ بها بحساب رَطْل من أرطالهم بدرهم نقرة، ورطلهم ثلاثة أرطال مغربية، وإذا رَخُصَ ثمنه بِيعَ بحساب رطلين بدرهم نقرة، والإجَّاص يباع بحساب عشر أواقٍ بدرهم نقرة، وأما الرمان والسفرجل فتباع الحبة منه بثمانية قلوس، وهي درهم من درهم المغرب، وأما الخضر فيباع بالدرهم النقرة منها أقل مما يباع في بلادنا بالدرهم الصغير، وأما اللحم فيباع فيها الرطل منه من أرطالهم بدرهمين ونصف درهم نقرة، فإذا تأملت ذلك كله، تَبيَّنَ لك أن بلاد المغرب أرخص البلاد أسعارًا، وأكثرها خيرات، وأعظمها مرافق وفوائد، ولقد زاد الله بلاد المغرب شرفًا إلى شرفها، وفضلًا إلى فضلها، بإمامة مولانا أمير المؤمنين، الذي مَدَّ ظلال الأمن في أقطارها، وأطلع شمس العدل في أرجائها، وأفاض سحاب الإحسان في باديتها وحاضرتها، وطهرها من المفسدين، وأقام بها رسوم الدنيا والدين، وأنا أذكر ما عايَنْتُه وتَحَقَّقْتُه من عدله وحِلْمِه وشجاعته واشتغاله بالعلم وتفقهه وصدقته الجارية ورفع المظالم.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع