تجاوز إلى المحتوى

من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)

نسخه رقعة محمد بن علي بن غرس الموصلي

فارقت حضرة مولاي الشيخ أطال الله بقاءه، وأدام تمكينه، وحرس نعماه، مثقل الظهر بحمد أياديه، ثمل النفس بكرم أخلاقه، مخدوع البصيرة بفائض أنعامه، قد استفزني تطوّله، فاستزلّني عن طبعي و؟؟ عدك بي عن مذهبي، فاشتملت ثوب عجب بنفسي، لم تكن لي عادة بمثله، ولا كنت أراها قبل ذلك من أهله لتلقيه أدام الله علّوّه، ما أشدته على ضعفه ورداءته، وخجلي من إنشاد مثله بحضرته بالقبول والإحماد، اللذين خيّلا لي أنه من المرضيّ المستجاد، إذا كان أدام الله حراسته واحد عصره، وقريع دهره، وكان قدره، يجلّ عن أن يداجى، وفضله يرتفع عن أن يحابى، على أنني لولا طاعة أمره في ذلك، لما قدمت عليه، ولا هممت به، ولا خففت إليه، ولكن أمرا لم يجز لي خلافه، وإن كان عالاني على مركب صعب، أسكرتني فيه خمرة خلائقه المعطورة، واستهوتني أخذة لفظاته المعسولة، فسلكت غير الطريق، وأخذت برأي غير زنيق، حتى إذا وقعت من طيرة الحيرة، وأفقت من وسن الغفلة، تأملت ما كنت أنشدته بعين المفتقد، ولحظته بطرف المنتقد، فانقلبت المسرّة وجلا، واستحال العجب خجلا، ورجعت نفسي بمضّ العذل، فهربت منه إلى اللياذ بالجذل، وكان في أثناء جوابها ما دلّ على خطئي وصوابه، وهو أن قالت: سئلت فاستنزلتك الهيبة فاعترفت، ثم أمرت فعادتك الطاعة، فاستجب وأعطيت ما لا يستحقه من الإحماد فقبلت، ثم

استمدت منك الزيادة فوعدت جاريا طلق الجموح، أضرم السوط ناره، وأجدّ الخوف إحضاره، لا يرى ما قطع، ولا يعلم فيم وقع.

فعد على خاطر خانتك نصرته، وقعرت بك لمّا لزّك القرن، على أن ذاك ممّا قد حيل فيه بين الخاطر والجولان، كما (حيل بين العنز والنزوان)، بما اختص الله تعالى ذلك السيد به من مواهبه التي تقود كلّ راكب في محاورته مركب التغرير، إلى أن يكونوا محجوجين بصنوف التقصير، فما يلقاه أحد منهم إلا معترفا بفضله، حامدا لإحسانه وتطوّله، مضطرا إلى حال تكون القدرة له فيها عليه، والخيار في الصفح والموافقة إليه، فأما أنا فخجلة وإن لم أهجن حصره، وإن لم أوبخ، أجول في خناق ضيّق، وإن أطيل لي ريش المسامحة، وأعثر في دهش دحض، وإن أوسع ميدان الإحسان، فانظر لحاضر ما قد لزمك، واله عن غائب ما فاتك، والتمس للخلاص من عدّتك وجها بوفاء صريح، أو عذر فصيح، فارتكاب الإخلاف يجمع والعذر دليلا على ذليل القصور، فدعتني بوضوح الحجة إلى ركوب المحجّة، وتخفيف زلّة الاقتراف بذلة الاعتراف، وأيقظتني لأمر قد كانت سكرة الوهلة أذهلتني عن مراعاته، وشغلتني عن أخذ الأهبة له، فلما جذب تنبيهها بضبعي من

زللي، أزمعت إمضاء الوفاء بالعدّة على الوجه الذي سبق القول به فيها، فوجدت الخاطر قد ثقفته زلّته وهذّبته عثرته، فأذكرني قول أبي عثمان الخالدي لأبي الفرج الببغاء في أبيات داعبه فيها، وقد رأى شيئا من شعره عند بعض إخوانه بخط غلامه:

أرنا نسخة لشعرك في العالمتقرا بغير خطّ غلامك

فضاق، عند ذكراه عليّ فيما كنت هممت به المذهب، ولم يمكّن من الوفاء، بوعده- أدام الله حراسته- المهرب، وحاولت من أكلّفه نسخ ذلك أو يحفظه ليقوم بايصاله إلى حضرته، وينوب عني في أيراده، بعرضه أو إنشاده، فاعترضني الخوف من أن تغلبني فضائله أدام الله تمكينه عليه، فيعود عليّ إلبا، ولي خصما، يراني بعين العجز، ويسمني بميسم التقصير، ويزيد فسادا ما رجوته لصلاحه، وينصرف تحسين أمري إلى استقباحه، فيكون حالي معه حال المتنبي في قوله:

كلّما عاد من بعثت إليهاغار منّي وخان فيما يقول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

ثم لاح شهاب الحزم، واستمسكت عقدة العزم، فعدلت إلى الإستعانة بمن يبلغ ما لا يتهمه، وينطق بما لا يعلمه، وأمن منه ميل المقة، وأسلم فيه

من حيف الصّبوة:

وصيّرت رسلي حين لم يغن حيلتيوضاقت عليّ في الخلاف المذاهب
أنا بيب أقلام وسمت صدورهابما فيه لي بعض الذي أنا طالب
تبلّغ قولي وهي عنه ذواهلويوضح عذري وهي عنه نواكب

جماد، ألا تميل ولا تتحيّر ولا تتحوّل ولا تتغيّر أفئدتها جلودها، وألسنتها برودها، تنطق بالمراد وإن لم ترد، وتأتي على البغية، وإن لم تعتمد، قوّلتها أبياتا تظنّ مقالها، وتعجز أمثالها، جعلتها إنجازا للوعد، ووفاء بالعهد، لا تزال خرسا عن سواها، حتى بلغ مدة صحتها مداها، فإذا طمع فيها الرّدى، وانتحت عليا المدى، فأشبهت صدورها أنصاف مناقير الغربان، وأعجازها أطراف مضاريب العيدان، وأكرهتها الأنامل على امتطائها، واستعانت النفوس بها على أهوائها، ثم رويت من الأنفاس، وأدنيت من القرطاس، وآملت عليها الخواطر، وقوّمت زيغها النواظر، فهمت وحي القلوب، فهم المسترق للسمع، وخبّرت عن مضمرات الأفكار بمثل الجاري من الدمع، وفاضت عبراتها من نواحي شؤون الرؤوس على صفحات خدود الطروس، فأسمعت منطقها من بعد محلّه، ونأى مزاره، وبلّغت معملها مأربه:

وما زال من ضاقت مقاليد ذرعهإذا لم يطق ما نابه يتحيّل

أمّلت أن يأمر- أدام الله تمكينه- بايداعها الدواة بحضرته، لتكون مذكّرة بولائي، كلّما تأمّلها نابته عني في خدمته كلما أعملها، واستظهرت باثبات أبيات أنا موردها هذا المكان من رقعتي، تزول بها أسباب التأول في إخلاف العدّة عني، وهي:

ومستحسن شعري وللشّعر زينةبألفاظه لم يؤتها قطّ قبله
يلقّنه الله التفضّل ديّناعلى كلّ من لاقى ليظهر فضله
أقول لنفسي حين تاهت بقولهرويدك أعطيت الذي لست أهله
فردّي الذي أوتيته ردّ شاكرفانّ أخا النّعمى أعارك رحله

فان رأى مولاي الشيخ- كبت الله عداته- أن يقف على ما كتبت به، ويتمّم إنعامه بالصفح عن تصفّحه، والإضراب عن مظان المطاعن فيه، وترك التنبيه على معانيه، والإرشاد إلى مثاله:

فما كلّ من رام التّتبّع يهتديلموقع ما يأتي وما يتجنّب

ويجعل ذلك خاتمة إحسانه، وتهنية امتنانه، ويؤمنني بعد ذلك من إعادة قول في معانيه، فلو؟؟ لا ما التزمه من طاعة أوامره ما أوضعت الآن فيه، ويكمل برّه بالصفح عنه، فأني لست منه ولا إليه، فعل إن شاء الله.

وقد أثبتّ الأبيات المكتوبة على الأقلام، ترفيها لخاطره، وصيانة لناظره من تكلف قراءتها. قلم:

سقيا لكفّ صافحتني كالسحابة للمعالي
من حامل لي حاملبي ثقل أحرار الرجال
يقرا لحاظ مؤمليهـ فتبتديهم بالنّوال
ويصون وجه المعتفيهـ عن المذلّة بالسّؤال

قلم:

كم روضة نبتت في الطّرس أنبتهاخطي تذلّ لها من حسنها الخصر
لها السطور غصون والحروف بهازهر وزهر المعاني بينها ثمر
تضئ فيها المعاني وهي حالكةسوداء تعجب من إشراقها القمر
تبقى على غابر الأيام ناضرةولا تجول إذا ما صوّح الشجر

قلم:

كلّ اليراع أنابيب إذا تركتكانت حطاما فلم تنفع ولم تضر
فان غدت وهي أقلام رأيت لهاتحكّما نافذا يمضي على البشر
تجري بخير وشرّ لا تزيّدهالكنّها- رسل في ذاك للقدر
والحمد والذمّ معقود بحاملهافخف شداها وكن منها على حذر

قلم:

إذا ما تأملتني عاثراقليل الغنا في يد الكاتب
فكن عالما أنّني معملبشيء بعيد من الواجب
وإلا بعذر إلى طالبيموّه بالحلف الكاذب

قلم:

كلّ الأنابيب أقلام فان بريتصارت سحائب من نفع وإضرار
إذا استطالت دواوين الملوك بهاحلّت عزاليها بالماء والنار

قلم:

اعرفوا حال حامليأبدا من مواقفي
أنا في كفّ ذي السّماح سحاب المنافع
وبكفّ اللئيم قاطع سبل الصنائع
وبكفّ الظلوم مفتاح باب الفجائع
بي إذا ما جريت يعرف سرّ الطبائع

قلم:

أيها السائلي بفكرته عن سرائري
جملة الأمر أنّنيترجمان الخواطر
وإذا ما جريت كنت محلّ الجواهر

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الأول من المجموع اللفيف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.